الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه

جزء التالي صفحة
السابق

( فما لكم في المنافقين فئتين ) ذكروا في سبب نزولها أقوالا طولوا بها ، وملخصها : أنهم قوم أسلموا فاستوبئوا المدينة فخرجوا ، فقيل لهم : أما لكم في الرسول أسوة ؟ أو ناس رجعوا من أحد لما خرج الرسول ، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت . أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار ، فخرجوا من مكة . قال الحسن ومجاهد : خرجوا لحاجة لهم ؛ فقال قوم من المسلمين ، اخرجوا إليهم فاقتلوهم ; فإنهم يظاهرون عدوكم .

وقال قوم : كيف نقتلهم ، وقد تكلموا [ ص: 313 ] بالإسلام رواه ابن عطية عن ابن عباس . أو قوم قدموا المدينة ، وأظهروا الإسلام ، ثم رجعوا إلى مكة ، فأظهروا الشرك ، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة ، وامتنعوا من الهجرة قاله الضحاك . أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يسارا ، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك .

وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة يرده قوله : ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) إلا إن حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه ؛ والمعنى : أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق ; أي من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه ، ولو لم يكونوا باديا نفاقهم ؛ لما أطلق عليه اسم النفاق . و ( في المنافقين ) متعلق بما تعلق به لكم ، وهو كائن أي شيء كائن لكم في شأن المنافقين . أو بمعنى فئتين ; أي فرقتين في أمر المنافقين . وانتصب ( فئتين ) على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم والعامل فيها العامل في لكم . وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار ( كان ) ; أي كنتم فئتين . ويجيزون ما لك الشاتم ; أي كنت الشاتم ، وهذا عند البصريين لا يجوز ; لأنه عندهم حال والحال لا يجوز تعريفها .

( والله أركسهم بما كسبوا ) أي رجعهم وردهم في كفرهم قاله ابن عباس . واختار الفراء والزجاج : أوبقهم . روي عن ابن عباس : أو أضلهم ؛ قاله السدي . أو أهلكهم ؛ قاله قتادة ، أو نكسهم قاله الزجاج . وكلها متقاربة . ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس . ومعنى بما كسبوا ; أي بما أجراه الله عليهم من المخالفة ، وذلك الإركاس هو بخلق الله واختراعه ، وينسب للعبد كسبا .

وقال الزمخشري : والله أركسهم ; أي ردهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ، ولحوقهم بالمشركين ، واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكبوا فيه لما علم من مرض قلوبهم ، انتهى . وهو جار على عقيدته الاعتزالية ؛ فلا ينسب الإركاس إلى الله حقيقة ، بل يؤوله على معنى الخذلان وترك اللطف ، أو على الحكم بكونهم من المشركين . إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه لا الله ؛ تعالى الله عن قولهم .

وقرأ عبد الله : ركسهم ثلاثيا . وقرئ : ركسهم ركسوا فيها بالتشديد ؛ قال الراغب : الركس والنكس الرذل والركس أبلغ من النكس ; لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه والركس أصله ما رجع رجيعا بعد أن كان طعاما ، فهو كالرجس ، وصف أعمالهم به ، كما قال : ( إنما المشركون نجس ) ، وأركسه أبلغ من ركسه ، كما أن أسقاه أبلغ من سقاه ، انتهى . وهذه الجملة في موضع الحال أنكر تعالى عليهم اختلافهم في هؤلاء المنافقين ، في حال أن الله تعالى قد ردهم في الكفر ؛ ومن يرده الله إلى الكفر لا يختلف في كفره .

( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) هذا استفهام إنكار ; أي من أراد الله ضلاله ، لا يريد أحد هدايته ; لئلا تقع إرادته مخالفة إرادة الله تعالى ، ومن قضى الله عليه بالضلال لا يمكن إرشاده ، ومن أضل الله اندرج فيه المركسون وغيرهم ممن أضله الله ؛ فكأنه قيل أتريدون أن تهدوا هؤلاء المنافقين ؟ ومن أضله الله تعالى من غيرهم . واندراجهم في عموم ( من ) بعد قوله ( والله أركسهم ) هو على سبيل التوكيد ; إذ ذكروا أولا على سبيل الخصوص ، وثانيا على سبيل اندراجهم في العموم . وقال الزمخشري : أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين ؟ من أضله الله من جعله من الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل ، انتهى . وهو على طريقته الاعتزالية من أنه لا ينسب الإضلال إلى الله على سبيل الحقيقة .

( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) ; أي فلن تجد لهدايته سبيلا . والمعنى : لخلق الهداية في قلبه ، وهذا هو المنفي . والهداية بمعنى الإرشاد والتبيين هي للرسل . وخرج من خطابهم إلى خطاب الرسول على سبيل التوكيد في حق المختلفين ; لأنه إذا لم يكن له ذلك ؛ فالأحرى أن لا يكون ذلك لهم . وقيل من يحرمه [ ص: 314 ] الثواب والجنة لا يجد له أحد طريقا إليهما . وقيل من يهلكه الله فليس لأحد طريق إلى نجاته من الهلاك . وقيل ، ومن يضلل الله فلن تجد له مخرجا وحجة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث