الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 232 ] باب عدة الوفاة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن الآية ، فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها على الحرة غير ذات الحمل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية وقد وضعت بعد وفاة زوجها بنصف شهر " قد حللت فانكحي من شئت " قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو وضعت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت ، وقال ابن عمر : إذا وضعت حلت " .

قال الماوردي : والأصل في عدة الوفاة أنها كانت في الجاهلية وفي صدر الإسلام بحول كامل ، قال الله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج [ البقرة : 240 ] فكانت العدة سنة ولها في العدة النفقة فنسخت النفقة بالميراث ، ونسخت السنة بأربعة أشهر وعشر وقال الله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة : 234 ] فصار الحول بها منسوخا فإن قيل : فنسخ الشهور بالحول أولى من نسخ الحول بالشهور لأمرين : أحدهما : أن آية الحول متأخرة في التلاوة عن آية الشهور ، والمتأخر هو الناسخ لما تقدمه . والثاني : أن الحول أعم من الشهور وأزيد ، والأخذ بالزيادة أولى من الأخذ بالنقصان ، قيل : هذا لا يصح مع انعقاد الإجماع على خلافه من وجهين : أحدهما : أن آية الشهور متأخرة في التنزيل عن آية الحول ، وإن كانت متقدمة عليها في التلاوة والنسخ ، وإنما يكون بالمتأخرة في التنزيل لا بالمتأخرة في التلاوة وقد تقدم تلاوة ما تأخر تنزيله وتأخر تلاوة ما تقدم تنزيله مثل قوله : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها [ البقرة : 142 ] نزلت بعد قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 144 ] وهو متقدم عليه في التلاوة وكقوله لا يحل لك النساء من بعد [ الأحزاب : 52 ] متقدم في التنزيل على قوله إنا أحللنا لك أزواجك [ الأحزاب : 50 ] وهو متأخر عنه في التلاوة . [ ص: 233 ] فإن قيل : فمن أين لكم أن آية الشهور متقدمة في التنزيل على آية الحول . قلنا من وجهين : أحدهما : نقل أجمع المسلمون عليه ، ورواه عكرمة عن ابن عباس وهو ترجمان القرآن . والثاني : أن الحول تقدم فعله في الجاهلية ، وثبت حكمه في صدر الإسلام فكان ما خالفه طارئا عليه ، قال لبيد .

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

فثبت بذلك تقدم الحول في الجاهلية وصدر الإسلام فلذلك صارت آية الشهور بعدها ، فإن قيل : فلم قدمت تلاوة ما تأخر تنزيله ، وهلا كانت التلاوة مترتبة على التنزيل ؟ قيل : قد فعل الله تعالى هذا تارة وأمر بهذا تارة بحسب ما يراه من المصلحة : فإن ترتيب التلاوة على التنزيل ، فقدمت تلاوة ما تقدم تنزيله وأخرت تلاوة ما تأخر تنزيله فقد انقضى ، وإن قدمت تلاوة ما تأخر تنزيله فلسبق القارئ إلى تلاوته ومعرفة الثابت من حكمه حتى إن لم يقر ما بعده من منسوخ الحكم أجزأه . والوجه الثاني : أن السنة الواردة تدل على نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر بخبرين : أحدهما : ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الأخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا والثاني : ما روته زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله إن بنتي توفي زوجها وقد رمدت [ ص: 234 ] عينها أفأكحلها فقال : لا مرتين أو ثلاثا قد كانت إحداكن تمكث حولا ، ثم ترمي بالبعرة ، وإنما هي أربعة أشهر وعشر واختلف في معنى إلقائها للبعرة على قبره ، فقيل : معناها أنني قد أديت حقك وألقيته عني كإلقاء هذه البعرة ، وقيل معناه : أن ما لقيته في الحول من الشدة هي في عظم حقك علي كهوان هذه البعرة فأتت السنة بهذين الخبرين ، وإن آية الشهور ناسخة لآية الحول ، ثم اختلف أصحابنا في صفة النسخ على وجهين : أحدهما : أنها نسخت جميع الحول ثم ثبت بها أربعة أشهر وعشر ، وهذا محكي عن أبي سعيد الإصطخري . والوجه الثاني : وهو الظاهر من كلام الشافعي أن آية الشهور نسخت من آية الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشر وبقي الحول أربعة أشهر وعشرا ، فيكون وجوبها بآية الحول ، وآية الشهور مقصورة على نسخ الزيادة ، ومؤكدة لوجوب أربعة أشهر وعشر ، وليس في هذا الاختلاف تأثير في حكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث