الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة

اللفظ السابع ايمن الله قال سيبويه رحمه الله هو من اليمن والبركة ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه هو كناية لتردده بين المحدث من تنمية الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو من جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله تعالى { فتبارك الله أحسن الخالقين } و { تبارك الذي بيده الملك } أي كثر [ ص: 39 ] جلاله وعلاه وصفاته العلا . وقال الفراء وهو جمع يمين

فيكون الكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين من هذا الوجه من جهة أنه صريح أو كناية ويقال ايمن الله وأيم الله ومن الله وم الله ثم عليه إذا قلنا إنه جمع يمين إشكال أيضا بسبب أن القائل إذا قال وأيمان المسلمين فحلف بالحلف يكون قد حلف بمحدث أيضا فإن حلف الخلق محدث فلا يلزم به كفارة وكذلك يرد الإشكال على متأخري المالكية القائلين بلزوم أيمان المسلمين على من قال وأيمان المسلمين تلزمني أنه إن أراد القسم فقد حلف بمحدث فلا يلزمه شيء وإن أراد أن يلزم نفسه موجبات الأيمان فإن أراد ذلك أنها تلزمه من جهة أنها مسببات لأسبابها وأسبابها لم توجد فلا يلزمه شيء لأن لزوم الأحكام بدون أسبابها غير معهود في الشريعة بل الشريعة تنكره وإن أراد أنها تلزمه على سبيل النذر فيفتقر ذلك إلى نية النذر والقصد إليه فإن هذه الصيغة ليست موضوعة في الفقه المنذور بل هي أخبار وقسم وهؤلاء القائلون بلزوم هذه الأمور لم يصرحوا بأنها من باب النذور بل ظاهر كلامهم أنها من باب القسم والحلف .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( اللفظ السابع أيمن الله ) قلت ما حكاه من الاشتقاق وغيره لا كلام فيه لأنه نقل وما قاله من أنه إذا قال أيمان المسلمين تلزمني أنه حالف بمحدث لأن أيمان المسلمين حلفهم وهو محدث ليس بصحيح فإن القائل ذلك إنما يقوله في حال يقتضي تأكيد خبره الذي يحلف عليه وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إلى قصده إلى ما يؤكد به الخبر شرعا أو إلى ما يلزم مقتضاه شرعا فعلى التقدير الأول يلزمه جمع يمين بالله تعالى إذ هو اليمين الشرعي وأقل ذلك ثلاثة أيمان فإذا حنث يلزمه ثلاث كفارات وقد قيل بذلك وعلى التقدير الثاني يلزمه كل ما يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق وصدقة وقد قيل بذلك وما قاله من أن ذلك من باب لزوم الأحكام بدون أسبابها ليس بصحيح بل ذلك من باب لزوم الأحكام بأسبابها عند القائلين بلزوم الكفارات على التقدير الأول أو القائلين بلزوم جميع ما يلزم شرعا بالتزامه على التقدير الثاني وغاية ما في ذلك أن قائل : أيمان المسلمين تلزمني لم يصرح فيه بلفظ اليمين الشرعي ولا بالملتزم الشرعي ولكنه يفهم من القرائن أنه عني اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي ومذهب مالك عدم اشتراط معينات الألفاظ فلزوم بمقتضى اليمين الشرعي أو الملتزمات الشرعية جار على مذهبه والله أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( اللفظ السابع ) قولنا وحق الله وحق الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار قال الشافعي من الكنايات لا الصرائح لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب به كفارة حتى ينوي القديم وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بحق الله أي استحقاقه إن لم ينو معنى حادثا أي الحقوق التي على العباد من العبادات التي أمر بها بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا هـ .

وفي كنون على عبق وحق الله قدرته وعظمته وجلاله قاله في البيان وقال أبو زيد القابسي رحمه الله تعالى ما نصه في جواب للونشريسي لا يلزم الحالف بحق الله تعالى كفارة لأن حق الله أمره ونهيه أي أن يطيعوه ولا يخالفوه وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا إلا أن يريد به اليمين فيجري على الخلاف في انعقاد اليمين بالنية ا هـ .

( اللفظ الثامن ) ايمن الله بلغاته الأربع عشرة التي في قول ابن مالك ( :

همز أيم أيمن فافتح واكسرا وأم قل أو قل أو من بالتثليث قد شكلا     وأيمن اختم به والله كلا أضف
إليه في قسم تسوف ما نقلا

) وايمن الأخير بفتح الميم وكسر الهمزة في الرهوني على عبق ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور ما نصه أما ايم الله فلا إشكال في أنها يمين لأن ايم الله أو ايمن الله أو من الله كلها جاءت للعرب في القسم فمن النحاة من ذهب إلى أن الأصل فيها عندهم أيمن جمع يمين ثم حذفوا على عادتهم في الحذف لأكثر استعمالهم فقالوا ايم الله لا فعلت أو لأفعلن كما قالوا يمين الله لا فعلت أو لأفعلن قال الشاعر :

فقلت يمين الله أبرح قاعدا     ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

[ ص: 63 ] ومنهم من ذهب إلى أن ألف ايمن الله ألف وصل وإنما فتحت لدخولها على اسم غير متمكن واشتقاقه من اليمن والبركة ا هـ .

بلفظه وقول عبق وارد بالبركة المعنى القديم قال ح هو إرادة البركة ا هـ .

وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بايم الله أي بركته وبقية لغاتها كذلك إن لم ينو حادثا أي بركة الذرة بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا هـ .

وفي الأصل قال سيبويه رحمه الله تعالى من اليمن والبركة فيتردد بين المحدث من تسمية الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله تعالى { تبارك الله أحسن الخالقين } و { تبارك الذي بيده الملك } أي كثر جلاله وعلاه وصفاته العلى ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه هو كناية لتردده بين المحدث وبين القديم أي فإن نوى القديم وحنث لزمت الكفارة وإلا فلا وقال الفراء هو جمع يمين فالكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين ا هـ .

قال ابن الشاط والشخص إنما يقول أيمان المسلمين تلزمني أو علي أيمان المسلمين في حال يقتضي تأكيد خبره الذي يحلف عليه وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إما إلى ما يؤكد به الخبر شرعا فيلزمه جمع يمين بالله تعالى إذ هو اليمين الشرعي وأقل ذلك ثلاثة أيمان فإذا حنث يلزمه ثلاث كفارات وقد قيل بذلك .

وأما إلى ما يلزم مقتضاه شرعا فيلزمه كل ما يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق وصدقة وقد قيل بذلك فهو على كل من باب لزوم الأحكام بأسبابها لا من باب لزومها بدون أسبابها كما قيل نعم لزوم ما ذكر بمجرد أن القرائن تفهم أن قائل ذلك عني اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي إنما يجري على مذهب مالك رحمه الله تعالى من عدم اشتراط معينات الألفاظ والله أعلم ا هـ .

( اللفظ التاسع ) المصحف أو القرآن أو كلمة منه تخصه ك { الم } لا نحو قال : قال كنون حاصل ما لعبق والبناني أن القرآن يطلق على المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى وعلى العبارات الدالة عليه المسموعة لنا وعلى نقوش الكتابة الدالة عليه وبقي أنه يطلق على المحفوظ في الصدور من الألفاظ المتخيلة كما يقال حفظت القرآن فكلام الله يطلق بالاعتبارات الأربعة والقديم من ذلك إنما هو الأول

قال العزيز [ ص: 64 ]

قراءة الخلق صفات لهم     فواجب حدوثها مثلهم

. وقوله :

المعدود من صفاته     فواجب قدمه كذاته
وهذه الحروف والأصوات     دلائل عليه موضوعات

وإيضاح قوله دلائل عليه بالمثال أن ينزل كلامه منزلة رجل فيكتب الرجل ويذكر باللسان ويستحضر في الذهن وهو بنفسه غير حال في ذلك فكذلك كلامه تعالى القديم يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالألفاظ المتخيلة في الذهن ويكتب بأشكال الحروف الدالة عليه وهو غير حال في ذلك وكما يقال النار جوهر محرق فيذكر باللفظ ويسمع بالآذان ويعرف بالقلب ويكتب بالقلم ولا يلزم كون حقيقة النار حالة في شيء من ذلك وتحقيقه أن للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة فالكتابة تدل على العبارة وهي على ما في الأذهان وهو على ما في الأعيان فحيث يوصف بما هو من لوازم القديم كقولنا القرآن أو كلام الله غير مخلوق فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج أعني المعنى النفسي القائم بالذات العلية وحديث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة

كما في حديث { ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم يتغنى بالقرآن } أو المخيلة كما في قوله تعالى { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } وكحديث أحمد وغيره { من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال } أو الأشكال المنقوشة كحديث الطبراني في الكبير { لا يمس القرآن إلا طاهر } .

وقد ذكر السعد عن المشايخ أنه ينبغي أن يقال القرآن كلام الله غير مخلوق ولا يقال القرآن غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم وكان السلف يمنعون أن يقال القرآن مخلوق ولو أريد به اللفظ إلخ دفعا لإيهام خلق المعنى القائم للذات العلية فلا يجوز ذلك إلا في مقام البيان واختلفوا هل يجوز أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق وعليه البخاري [ ص: 65 ] والأكثر ، أو لا ؟ وعليه الإمام أحمد وفي حاشية الرسالة للح قال في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور إن من حلف بالمصحف وأراد المصحف نفسه دون المفهوم منه أن ذلك لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم { من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت } ا هـ .

وفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بالمصحف وأولى القرآن أو كلمة منه تخصه عرفا ك { الم } لا نحو قال إن لم ينو معنى حادثا أي المكتوب أو اللفظ المنزل من غير ملاحظة دلالته على المعنى القديم بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا هـ .

وفي الأصل في الفرق الذي قبل هذا وهل تجب عليه الكفارة إذا حلف بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور وسائر الكتب المنزلة وحنث وهو لمالك رضي الله عنه لانصرافه عنده للكلام القديم النفسي أم لا تجب عليه الكفارة إذا حلف بذلك وحنث وهو ما لأبي حنيفة رضي الله عنه وروي أيضا عن مالك أنه قال إن الحلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين ولا كفارة فيه وهو الظاهر فإنا لا نفهم من قول القائل القرآن ، وهو يحفظ القرآن أو يكتب القرآن إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين وهو الذي يفهم من نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإن المسافرة متعذرة بالقديم ا هـ وزاد العلامة الأمير في ضوء الشموع ستة ألفاظ

( اللفظ العاشر ) قوله والاسم الأعظم قال الأمير ينعقد اليمين به إلا أن ينوي به الأعظم من اسمين لشخص

( اللفظ الحادي عشر ) قوله ودين الإسلام قال الأمير إن أراد به الأحكام الإلهية انعقد لأنها ترجع لكلامه وخطابه وإن أراد تدين العباد وطاعتهم لم يلزم

( اللفظ الثاني عشر ) قوله وخاتم الصوم الذي على فم العباد قال الأمير لا يلزم به اليمين إلا أن يريد الحكم الآلهي به فيلزم كما إذا قال والذي خاتمه على فمي وأراد به الله

( اللفظ الثالث عشر ) قوله والعلم الشريف قال الأمير المتبادر منه العلوم المدونة فلا يلزم إلا أن يريد علم الله تعالى أو أحكامه على ما سبق

( اللفظ الرابع عشر ) والموجود والشيء قال الأمير وينعقد بالموجود وبالشيء إذا أريد به الله تعالى كما في ابن شاس وفي القرآن { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } وما في [ ص: 66 ] عبق من عدم الانعقاد بالموجود لأنه ليس مما يندرج في الأسماء التي بذاتها للقسم من غير توقف على إرادة فالنفسية تنعقد بها لا بالاسم المشتق منها عكس الفعلية وذلك لأنه إذا قيل ووجود الله كان صريحا في القديم وقد قيل إن الوجود عين الموجود والظاهر أنه إذا قيل والوجود معرفا بأل من غير إضافة جرى فيه ما جرى في الموجود بالميم

( اللفظ الخامس عشر ) ما تقدم في الفرق الذي قبل هذا عن العلامة الأمير من صفات الأفعال فجملة ما ذكروه من ألفاظ هذا القسم أعني ما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه خمسة عشر وسيأتي في الفرق الذي عقب هذا الفرق عن الأصل ألفاظ أخر فترقب والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث