الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل في غزوة القادسية .

ثم سار سعد فنزل القادسية ، وبث سراياه وأقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس ، فكتب إلى عمر بذلك ، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان ، فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى يزدجرد من الذي يلقون من المسلمين من النهب والسباء . وقالوا : إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون . واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم ، فبعث إليه يزدجرد ، فأمره على الجيش ، فاستعفى رستم من ذلك وقال : إن هذا ليس برأي في الحرب ، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة . فأبى الملك إلا ذلك ، فتجهز رستم للخروج ، ثم بعث سعد [ ص: 619 ] كاشفا إلى الحيرة ، وإلى صلوبا ، فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني ، وأمده بالعساكر ، فكتب سعد إلى عمر بذلك ، فكتب إليه عمر : لا يكربنك ما يأتيك عنهم ، ولا ما يأتونك به ، واستعن بالله وتوكل عليه ، وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه ، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم ، واكتب إلي في كل يوم .

ولما اقترب رستم بجيوشه وعسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول : إن رستم قد عسكر بساباط ، وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها ، وليس شيء أهم عندي ولا أكثر ذكرا مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل .

وعبأ رستم ، فجعل على المقدمة - وهي أربعون ألفا - الجالنوس ، وعلى الميمنة الهرمزان ، وعلى الميسرة مهران بن بهرام ، وذلك ستون ألفا وعلى الساقة البندران في عشرين ألفا ، فالجيش كله ثمانون ألفا ، فيما ذكره سيف وغيره . وفي رواية : كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفا ، يتبعها ثمانون ألفا وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلا ، منها فيل أبيض كان لسابور ، فهو أعظمها وأقدمها ، وكانت الفيلة تألفه .

ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم ، النعمان بن مقرن ، وفرات بن [ ص: 620 ] حيان ، وحنظلة بن الربيع التميمي ، وعطارد بن حاجب ، والأشعث بن قيس ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن معديكرب ، يدعون رستم إلى الله عز وجل ، فقال لهم رستم : ما أقدمكم ؟ فقالوا : جئنا لموعود الله إيانا ; أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم ، فنحن على يقين من ذلك . وقد رأى رستم في منامه كأن ملكا نزل من السماء ، فختم على سلاح الفرس كله ، ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر .

وذكر سيف بن عمر ، أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر ، كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا ، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه ; لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم ، لما رأى في منامه ، ولما يتوسمه ، ولما سمع منهم ، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه ; لما له من الممارسة لهذا الفن . ولما دنا جيش رستم من سعد ، أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية ، فبعث سرية لتأتيه برجل من الفرس ، وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب ، وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا ، فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف ، وتخطى الألوف ، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم ، وجاء به لا يملك من نفسه شيئا ، فسأله سعد عن القوم ، فجعل يصف شجاعة طليحة ، فقال : دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم . فقال : هو في مائة ألف وعشرين ألفا ، ويتبعها مثلها . وأسلم [ ص: 621 ] الرجل من فوره . رحمه الله .

قال سيف عن شيوخه : ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه . فبعث إليه المغيرة بن شعبة ، رضي الله عنه ، فلما قدم عليه جعل رستم يقول له : إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم ، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجاركم من الدخول إلى بلادنا . فقال له المغيرة : إنا ليس طلبنا الدنيا ، وإنما همنا وطلبنا الآخرة ، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني ، فأنا منتقم بهم منهم ، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به ، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ، ولا يعتصم به إلا عز . فقال له رستم : فما هو ؟ فقال : أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به ، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله . فقال : ما أحسن هذا ! وأي شيء أيضا ؟ قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله . قال : وحسن أيضا ، وأي شيء أيضا ؟ قال : والناس بنو آدم ، فهم إخوة لأب وأم . قال : وحسن أيضا ، ثم قال رستم : أرأيت إن دخلنا في دينكم ، أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة . قال : وحسن أيضا . قال : ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام ، فأنفوا من ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه ، قبحهم الله وأخزاهم ، وقد فعل .

قالوا : ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه ، وهو ربعي بن عامر ، فدخل عليه [ ص: 622 ] وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة ، والزينة العظيمة ، وعليه تاجه ، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب ، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه ، فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : إني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله . قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن بقي . فقال رستم : قد سمعت مقالتكم ، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ، كم أحب إليكم ؟ أيوما أو يومين ؟ قال : لا ، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا . فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل . فقال : أسيدهم أنت ؟ قال : لا ، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم . فاجتمع رستم برؤساء قومه ، فقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب ! أما ترى إلى ثيابه ؟ ! فقال : ويلكم لا تنظروا إلى [ ص: 623 ] الثياب ، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ، ويصونون الأحساب .

ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا ، فبعث إليهم حذيفة بن محصن ، فتكلم نحو ما قال ربعي . وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة ، فتكلم بكلام حسن طويل ، قال فيه رستم للمغيرة : إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل فقال : من يوصلني إليه وله درهمان ؟ فلما سقط عليه غرق فيه ، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده ، وجعل يقول : من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم ، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه ، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه ، واستعان عليه بغلمانه ، فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه ، فضربه حتى قتله ، فهكذا تخرجون من بلادنا . ثم استشاط غضبا ، وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدا . فقال المغيرة : ستعلم . ثم قال رستم للمغيرة : قد أمرت لكم بكسوة ، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا . فقال المغيرة : أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم ؟ ! ولنا مدة نحو بلادكم ، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون ، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم . فلما قال ذلك استشاط غضبا .

وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ، ثنا أمية بن خالد ، ثنا أبو عوانة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، قال : قال أبو وائل : جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس . قال : لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة [ ص: 624 ] آلاف أو ثمانية آلاف ، بين ذلك ، والمشركون ثلاثون ألفا ونحو ذلك ، فقالوا : لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ، ما جاء بكم ؟ ارجعوا . قال : قلنا : ما نحن براجعين . فكانوا يضحكون من نبلنا ، ويقولون : دوك دوك . وشبهونا بالمغازل . فلما أبينا عليهم أن نرجع . قالوا : ابعثوا إلينا رجلا منكم عاقلا يبين لنا ما جاء بكم . فقال المغيرة بن شعبة : أنا . فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا ، فقال : إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم . فقال رستم : صدق ، ما جاء بكم ؟ فقال : إنا كنا قوما في شر وضلالة ، فبعث الله فينا نبيا ، فهدانا الله به ورزقنا على يديه ، فكان فيما رزقنا حبة تنبت بهذا البلد ، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا ، قالوا : لا صبر لنا عنها ، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة . فقال رستم : إذن نقتلكم . قال : إن قتلتمونا دخلنا الجنة ، وإن قتلناكم دخلتم النار ، أو أديتم الجزية . قال : فلما قال : أو أديتم الجزية . نخروا وصاحوا وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم . فقال المغيرة : تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال رستم : بل نعبر إليكم . فاستأخر المسلمون حتى عبروا ، فحملوا عليهم فهزموهم .

وذكر سيف أن سعدا كان به عرق النسا يومئذ ، وأنه خطب الناس وتلى قوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [ الأنبياء : 105 ] . وصلى بالناس الظهر ، ثم كبر أربعا ، [ ص: 625 ] وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم ذكر الحديث في طردهم إياهم ، وقتلهم لهم ، وقعودهم لهم كل مرصد ، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير ، وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند ، ولجأ أكثرهم إلى المدائن ولحقهم المسلمون إلى أبوابها ، وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة ، فاستأذنوا على كسرى ، فأذن لهم ، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم ، وأرديتهم على عواتقهم ، وسياطهم بأيديهم ، والنعال في أرجلهم ، وخيولهم الضعيفة ، وخبطها الأرض بأرجلها ، وجعلوا يتعجبون منهم غاية العجب ، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها . ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه ، وكان متكبرا قليل الأدب ، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها ; عن الأردية ، والنعال ، والسياط ، ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل ، فرد الله فأله على رأسه . ثم قال لهم : ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟ ! فقال له النعمان بن مقرن : إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ، ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين ; فرقة تقاربه وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص ، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم ، ففعل ، [ ص: 626 ] فدخلوا معه جميعا على وجهين ; مكروه عليه فاغتبط ، وطائع أتاه فازداد ، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا ، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه ; الجزاء ، فإن أبيتم فالمناجزة ، وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله ، وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم ، وشأنكم وبلادكم ، وإن اتقيتمونا بالجزي قبلنا ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم . قال : فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم ، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوناكم ، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم ، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا ، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم . فأسكت القوم ، فقام المغيرة بن زرارة فقال : أيها الملك ، إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وإنما يكرم الأشراف الأشراف ، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به [ ص: 627 ] أجابوك عنه ، وقد أحسنوا ، ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك ، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك ; إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما ، فأما ما ذكرت من سوء الحال ، فما كان أسوأ حالا منا ، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ; كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ونرى ذلك طعامنا ، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ، وأن يغير بعضنا على بعض ، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهى حية ; كراهية أن تأكل من طعامه ، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ، فبعث الله إلينا رجلا معروفا ; نعرف نسبه ، ونعرف وجهه ومولده ، فأرضه خير أرضنا ، وحسبه خير أحسابنا ، وبيته خير بيوتنا ، وقبيلته خير قبائلنا ، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا ، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب كان له وكان الخليفة من بعده ، فقال وقلنا ، وصدق وكذبنا ، وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان ، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه ، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين ، فما قال لنا فهو قول الله ، وما أمرنا فهو أمر الله ، فقال لنا : إن ربكم يقول : أنا الله وحدي لا شريك لي ، كنت إذ لم يكن شيء ، وكل شيء هالك إلا وجهي ، وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء ، وإن رحمتي أدركتكم ، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي ، ولأحلكم داري دار السلام . فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق . وقال : من تابعكم [ ص: 628 ] على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم ، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ، ومن أبى فقاتلوه ، فأنا الحكم بينكم ، فمن قتل منكم أدخلته جنتي ، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه . فاختر إن شئت الجزية ، وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف ، أو تسلم فتنجي نفسك . فقال يزدجرد : استقبلتني بمثل هذا ؟ ! فقال : ما استقبلت إلا من كلمني ، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به . فقال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، لا شيء لكم عندي . وقال : ائتوني بوقر من تراب ، فاحملوه على أشرف هؤلاء ، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن ، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور . ثم قال : من أشرفكم ؟ فسكت القوم ، فقال عاصم بن عمرو ، وافتات ليأخذ التراب : أنا أشرفهم ، أنا سيد هؤلاء ، فحملنيه . فقال : أكذاك ؟ قالوا : نعم . فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته ، فحمله عليها ثم انجذب في السير فأتوا به سعدا ، وسبقهم عاصم ، فمر بباب قديس فطواه فقال : بشروا الأمير بالظفر ، ظفرنا إن شاء الله تعالى . ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ، ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر . فقال : أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم . وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم ، ثم لم [ ص: 629 ] يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة ، وينحط أمر الفرس سفلا وذلا ووهنا .

ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين ، فذكر له عقلهم وفصاحتهم وحدة جوابهم ، وأنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه ، وذكر له ما أمر به أشرفهم من حمل التراب ، وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه ، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر . فقال له رستم : إنه ليس بأحمق وليس هو بأشرفهم ، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه ، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا . وكان رستم منجما ، ثم أرسل رجلا وراءهم ، وقال : إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا ، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا . قال : فساق وراءهم فلم يدركهم ، بل سبقوه إلى سعد بالتراب . وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب ، واستهجنوا رأي الملك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث