الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم

( حدثنا يوسف بن عيسى ، أخبرنا وكيع ، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، واسمه ) : عمرو بن عبد الله بن السبيعي ، وفي نسخة ابن إسحاق ، وهي غير صحيحة . ( عن أبيه ) : أي أبي إسحاق . ( عن الشعبي ) : بفتح الشين وسكون العين ، واسمه عامر بن شراحيل . ( عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ) : أي المغيرة . ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة ) : بضم الجيم وتشديد الموحدة ، قيل : هي ثوبان بينهما قطن إلا أن يكون من صوف فقد تكون واحدة غير محشوة ، وقد قيل : جبة البرد جنة البرد . ( رومية ) : قال ميرك : هكذا وقع في رواية الترمذي ، ولأبي داود جبة من صوف من جباب الروم ، لكن وقع في أكثر روايات الصحيحين وغيرهما جبة شامية ، قال العسقلاني : بتشديد الياء ، ويجوز تخفيفها ، انتهى . ولا منافاة بينهما ; لأن الشام حينئذ داخل تحت حكم قيصر ملك الروم فكأنهما واحد من حيث الملك ، ويمكن أن يكون نسبة هيئتها المعتاد لبسها إلى [ ص: 151 ] إحداهما ونسبة خياطتها إلى الأخرى . ( ضيقة الكمين ) : وهذا كان في سفر كما دل عليه رواية البخاري من طريق زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي بهذا الإسناد قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال : " أمعك ماء ؟ " قلت : نعم ، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ، ثم جاء ، فأفرغت عليه الإداوة ، فغسل وجهه ويديه وعليه جبة شامية من صوف ، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة . وله من طريق أخرى : فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين ، فأخرج من تحت بدنه . بفتح الموحدة فالمهملة بعدها نون ، أي جبته ، كما في رواية أخرى البدن بفتحتين ، درع قصيرة ضيقة الكمين . زاد مسلم : وألقى الجبة على منكبيه ، فغسلهما ، ومسح برأسه وعلى خفيه . ووقع في رواية مالك وأحمد وأبي داود : كان في غزوة تبوك ، وفي الموطأ ومسند أبي داود أن ذلك كان عند صلاة الصبح . ولمسلم من طريق عباد بن زيادة ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه قال : فأقبلت معه حتى وجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف ; فصلى بهم ، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخيرة ، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته ، فأفزع ذلك الناس . وفي أخرى : قال المغيرة : فأردت تأخير عبد الرحمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعه " . كذا ذكره ميرك ، ثم قال : ومن فوائد الحديث الانتفاع بثياب الكفر حتى يتحقق نجاستها ; لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرومية ، ولم يتفصل ، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت ; لأن الجبة كانت شامية وكانت الشام إذا ذاك دار كفر ، ومنها جواز لبس الصوف . وكره مالك لبسه لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد ; لأن إخفاء العمل أولى ، وقال ابن بطال : ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره مما هو بدون ثمنه ، والله أعلم . قيل فيه : ندب اتخاذ ضيق الكم في السفر لا في الحضر ; لأن أكمام الصحابة رضي الله عنهم كانت واسعة . قال ابن حجر : وإنما يتم ذلك إن ثبت أنه تحراها للسفر ، وإلا فيحتمل أنه لبسها للدفاء من البرد أو لغير ذلك ، وما نقل عن الصحابة من اتساع الأكمام مبني على توهم أن الأكمام جمع كم ، وليس كذلك بل جمع كمة ، وهي ما يجعل على الرأس كالقلنسوة ، فكأن قائل ذلك لم يسمع قول الأئمة : من البدع المذمومة اتساع الكمين ، انتهى . ويمكن حمل هذا على السعة المفرطة ، وما نقل عن الصحابة على خلاف ذلك وهو ظاهر بل متعين ، ولذا قال في النتف من كتب أئمتنا : يستحب اتساع الكم قدر شبر . . . [ ص: 152 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث