الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم

( حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ) : أي السختياني ، نسبة إلى بيع السختيان أي الجلود أو عملها . ( عن محمد بن سيرين ) : بكسر السين بعدها ياء ساكنة وبفتح النون على ضبط في النسخ المصححة ، قال العصام : الظاهر أن سيرين كغسلين ، وأنه مصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية لكن قيد في بعض الأصول بالفتحة ، ووجهه غير ظاهر إذ العجمة فيه غير ظاهرة ; لأنه من بلاد العرب ، قلت بوجه بما قال الجعبري [ ص: 153 ] نقلا عن بعض النحاة أن مطلق المزيدتين كغلبون ونحوه علة لمنع الصرف مع أنه من الموالي لا من العرب ، فلا بدع أن يكون فيه العجمة مع احتمال أن سيرين أمه فيكون فيه علتان التأنيث والعلمية ، والله سبحانه أعلم . ثم هو تابعي جليل ، مشهور ، إمام في علم التعبير وغيره ، أخرج حديثه الأئمة الستة ، وهو من موالي أنس كاتبه على عشرين ألفا فأداها وعتق ، وكان له أولاد ستة كلهم نجباء محدثون وهم : محمد ومعبد وأنيس ويحيى وحفصة وكريمة ، ومن نوادر الأسانيد : روى محمد ، عن يحيى ، عن أنيس ، حيث وقع في الإسناد ثلاثة أخوة . ( قال : كنا عند أبي هريرة رضي الله عنه وعليه ثوبان ) : أي إزار ورداء أو ثوبان آخران . ( ممشقان ) : بفتح الشين المعجمة المثقلة ، أي مصبوغان بالمشق بكسر فسكون ، وهو الطين الأحمر ، قاله العسقلاني ، وقيل هو المغرة بكسر الميم ، قيل فيه مخالفة لحديث النهي عن لبس الثوب الأحمر . قال ابن حجر : ومر ما يدفع ذلك ، وأن النهي للتنزيه لا للتحريم فلا إشكال ، انتهى . والأظهر أن يقال : إن النهي عن الحمرة معلل بأنه من زينة الشيطان ، والمصبوغ بالطين الأحمر ليس له ذلك الشأن . ( من كتان ) : بتشديد الفوقية ، بيان لثوبان ، والجملة حال عن أبي هريرة . ( فتمخط ) : أي استنثر وطهر أنفه . ( في أحدهما ) : ومنه المخاط ما يسيل من الأنف . ( فقال ) : أي أبو هريرة . ( بخ بخ ) : بفتح الموحدة وسكون المعجمة ، وفي نسخة بكسرها منونة ، وفي نسخة بتشديدها منونة ، في النهاية : هي كلمة تقال عند الفرح والرضاء بالشيء وتكرر للمبالغة ، وهي مبنية على السكون فإن وصلت خفضت ونونت وربما شددت ، قال القاضي عياض : وروي بالرفع ، وإذا كررت فالاختيار تحريك الأول وإسكان الثاني . يعني إما رجوعا إلى الأصل أو مرعاة للوقف . قال ابن دريد : معناه تفخيم الأمر وتعظيمه ، وسكنت الخاء كسكون اللام في بل وهل ، من قال " بخ " بكسره منونا فقد شبهه بالأصوات كصه ومه . قال ابن السكيت : بخ بخ وبه وبه . قال النووي : قال أهل اللغة : يقال بخ بإسكان الخاء وبتنوينها مكسورة ، وحكى القاضي الكسر بلا تنوين ، وحكى : الأحمر التشديد فيه . وقال العسقلاني : فيها لغات : إسكان الخاء وكسرها تنوينا وبغير تنوين الأولى وتسكين الثانية ، ومعناها تفخيم الأمر والإعجاب به والمدح له . أقول : الظاهر أن المراد بها هنا التعجب والاستغراب لقوله : ( يتمخط أبو هريرة في الكتان ) : قال العصام : استئناف أجيب به عنه السؤال عن جهة التعجب ، انتهى . والظاهر أن همزة الاستفهام مقدرة في الكلام ، والعجب من ابن حجر حيث قال : وقد يستعمل بخ للإنكار ، وفي صحته هنا نظر ، انتهى . إذ صحة الإنكار أمر ظاهر ثم بين وجه التعجب بقوله : ( لقد ) : واللام في جواب قسم مقدر أي والله لقد ( رأيتني ) : وإنما اتصل الضميران وهما لواحد حملا لرأى البصرية على القلبية فإن كون الفاعل والمفعول ضميرين ومتصلين من خصائص أفعال القلوب ، أي علمتني لا رأيت نفسي ، وبتقريرنا تبين أن الجملة القسمية بيانية واستئنافية ، وهو أظهر من قول ابن حجر تبعا للعصام أن اللام للقسم والجملة حال بتقدير القصة ليتحد زمان الحال وعامله . ( وإني ) : الجملة حال من مفعول رأيت . ( لأخر ) : بصيغة المتكلم المفرد من حد ضرب مشتق من الخرور [ ص: 154 ] أي أسقط على الأرض كهيئة الساجد . ( فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة رضي الله عنها ) : إشارة إلى موضع الأحباب الأصحاب من غير خفاء واحتجاج . ( مغشيا علي ) : أي من غلبة الجوع ، وهو حال من فاعل " أخر " أي مستوليا علي الغشي . ( فيجيء الجائي ) : أي الواحد من هذا الجنس . ( فيضع رجله ) : أي قدمه . ( على عنقي ) : ليسكن اضطرابي وقلقي ، أخبر عن الأمور الماضية بصيغة المضارع ، أعني : أخر ويجيء ويضع ; استحضارا للصور الواقعة . ( يرى ) : بلفظ المضارع المجهول ، وهو استئناف بيان أو حال أي يظن الجائي . ( أن بي جنونا ) : أي نوعا من الجنون وهو الصرع . ( وما بي جنون ) : أي والحال أن ليس بي مرض الجنون . ( وما هو ) : أي ما هو بي ويعني ما الذي بي . ( إلا الجوع ) : أي أثره واستيلاؤه علي ، وعند ابن سعد من طريق الوليد بن رباح عنه قال : كنت من أهل الصفة ، وإن كان ليغشى علي فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع . ولا منافاة لوقوع التعدد ، وعند البخاري من طريق أبي حازم عنه : فلقيت عمر بن الخطاب يوما فاستقرأته آية ، فذكرها ، قال : فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي . وعنده من طريق أبي سعيد المقبري عنه قال : كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشبع بطني ، وكنت ألصق بطني بالحصى من الجوع ، وإني كنت أستقرئ الرجل الآية وهي معي كي يفطن بي ويطعمني . وزاد الترمذي في الجامع من هذا الوجه : وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله ، فيقول لامرأته : يا أسماء أطعمينا ، فإذا أطعمتنا أجابني . قال : وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه بأبي المساكين ، وأخرج ابن حبان عنه قال : أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم فجئت أريد الصفة ، فجعلت أسقط فجعل الصبيان يقولون جن أبو هريرة حتى انتهيت إلى الصفة فوافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقصعة ثريد فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها ، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها ، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت لقمة فوضعها على أصابعه فقال لي : " كل باسم الله " ، فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت . ووجه إيراد الخبر المذكور في هذا الباب إثبات فقره صلى الله عليه وسلم وتحقق عسرته في أيام عشرته ; إذ لو كان له سعة في أمور معيشته لم تكن أحوال أهل الصفة بهذه الصفة لأنهم كانوا أضياف النبي صلى الله عليه وسلم وجيرانه وكان اهتمامه بحالهم في أقصى مراتب الكمال ، والله أعلم بحقيقة الأحوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث