الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منهما

( تنبيه )

قال اللخمي اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال أبو الفرج ؛ لأنها أكثر معاملات أهل الربا .

وقال ابن مسلمة : بل سدا لذرائع الربا فعلى الأول من علم من عادته تعمد الفساد حمل عقده عليه وإلا أمضي فإن اختلفت العادة منع الجميع وإن كان من أهل الدين والفضل وعليه يحمل قول عائشة رضي الله عنها فإن زيدا من أبعد الناس عن قصد الربا قال في الجواهر وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز فيفسخ العقد إذا كثر القصد إليه اتفاقا من المذهب كبيع وسلف جر نفعا فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن القصد إليه كدفع الأكثر مما فيه ضمان وأخذ الأقل منه إلى أجل فقولان مشهوران فأما مع ظهور ما يبرئ من التهمة لكن فيه صورة المتهم عليه كما لو تصور العين بالعين غير يد بيد [ ص: 269 ] وتظهر البراءة بتعجيل الأكثر فجائز لانتفاء التهمة ، وقيل يمتنع حماية للذريعة والأصل أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها فإن جاز التعامل به صح وإلا فلا ولا تعتبر أقوالهما ، بل أفعالهما فقط فهذا هو تلخيص الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها والخلاف فيه والوفاق والمدرك في ذلك .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

قال اللخمي اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال قال أبو الفرج ؛ لأنها أكثر معاملات أهل الربا .

وقال ابن مسلمة ، بل سدا لذرائع الربا فعلى الأول من علم من عادته تعمد الفساد حمل عقده عليه وإلا أمضي فإن اختلف العادة منع الجميع وإن كان من أهل الدين والفضل وعليه يحمل قول عائشة رضي الله عنها فإن زيدا من أبعد الناس عن قصد الربا قال في الجواهر وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز فينفسخ العقد إذا كثر القصد إليه اتفاقا من المذهب كبيع وسلف جر نفعا فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن القصد به كدفع الأكثر مما فيه ضمان وأخذ الأقل إلى أجل فقولان مشهوران فأما مع ظهور ما يبرئ من التهمة لكن فيه صورة المتهم عليه كما لو تصور العين بالعين غير يد بيد وتظهر البراءة بتعجيل الأكثر فجائز لانتفاء التهمة ، وقيل يمتنع حماية للذريعة والأصل أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها فإن جاء العامل به صح وإلا فلا ولا تعتبر أقوالهما ، بل أفعالهما فقط ا هـ . ووافقنا أبو حنيفة وابن حنبل في سد ذرائع بيوع الآجال التي هي صورة النزاع وإن خالفنا أبو حنيفة في تفصيل البعض ، وقال يمتنع بيع السلعة من أب البائع بما تمتنع به من البائع وفي الإقناع من شرحه .

ومن باع سلعة بنسيئة أي بثمن مؤجل أو بثمن حال لم يقبضه صح الشراء حيث لا مانع وحرم عليه أي على بائعها شراؤها ولم يصح منه شراؤها نصا بنفسه أو بوكيله بنقد من جنس الأول أقل مما باعها به بنقد أي حال أو نسيئته ، ولو بعد حل أجلها أي أجل الثمن الأول نصا نقله ابن القاسم وسند لما روي عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية قالت دخلت أنا وأم ولد ابن زيد بن أرقم على عائشة إلخ ؛ ولأنه ذريعة إلى الربا ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أجل والذرائع معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل من الإرث بها إلا أن تتغير صفتها لما ينقصها كعبد قطعت يده أو يقبض ثمنها بأن باع السلعة وقبض ثمنها ، ثم اشتراها فيصح لأنه لا توسل به إلى الربا وإن اشتراها أبوه أو ابنه ونحوهما كغلامه أو مكاتبه أو زوجته ولا حيلة جاز وصح لأن كل واحد منهما كالأجنبي بالنسبة إلى الشراء أو اشتراها بائعها من غير مشتريها كما لو اشتراها من وارثه أو ممن انتقلت إليه منه بتبيع أو نحوه جاز لعدم المانع أو اشتراها بائعها بمثل الثمن الأول أو بنقد آخر غير الذي باعها به أو اشتراها بعوض أو باعها بعوض ، ثم اشتراها بنقد صح الشراء ولم يحرم لانتفاء الربا المتوسل إليه به وإن قصد بالعقد الأول العقد الثاني بطلا أي العقدان قاله الشيخ .

وقال هو قول أحمد وأبي حنيفة ومالك قال في الفروع ويتوجه أنه مراد من أطلق ؛ لأن العلة التي لأجلها بطل الثاني وهو كونه ذريعة للربا موجودة إذن في الأول وهذه المسألة تسمى مسألة العينة ؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بها عينا أي نقدا حاضرا قال الشاعر :

أنعتان أم ندان أم ينبري لنا فتى مثل نقل السيف ميزت مضاربه

ومعنى نعتان نشتري عينة كما وصفنا .

وروى أبو داود عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم } ا هـ . وخالفنا الشافعي فقال هو وأصحابه لا يثبت حديث عائشة على أن زيدا قد خالفها ، وإذا اختلفت الصحابة فمذهبنا القياس واحتجوا بثلاثة أمور

( أحدها ) قوله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } وجوابه أن هذا عام وما ذكرناه خاص والخاص مقدم على العام على ما تقرر في علم الأصول

( الأمر الثاني ) ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتى بتمر جنيب فقال أتمر خيبر كله هكذا فقالوا إنا نبتاع الصاع بالصاعين من تمر الجمع فقال عليه السلام لا تفعلوا هذا ، ولكن بيعوا تمر الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم جنيبا } فهو بيع [ ص: 277 ] صاع بصاعين وإنما توسط بينهما عقد الدراهم فأبيح وجوابه إنا إنما نمنع أن يكون العقد الثاني من البائع الأول ، وليس ذلك مذكورا في الخبر مع أن بيع النقد إذ تقابضا فيه ضعف التهمة وإنما المنع حيث تقوى

( الأمر الثالث ) إن العقد المقتضي للفساد لا يكون فاسدا إذا صحت أركانه كبيع السيف من قاطع الطريق والعنب من الخمار مع أن الفساد في قطع الطريق أعظم من سلف جر نفعا لما فيه من ذهاب النفوس والأموال وجوابه أن محل ذلك إذا لم يكن الأغراض الفاسدة هي الباعثة على العقد وإلا منع كما في عقود صور النزاع كما تقدم توضيحه قال الحفيد في البداية وروي مثل قول الشافعي عن ابن عمر ا هـ .

هذا توضيح ما في الأصل من الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها والخلاف فيه والوفاق والمدارك في ذلك وسلمه ابن الشاط مع زيادة من الخرشي وحاشيته والبداية وغيرها لكن رأيت في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع أن صاحب جمع الجوامع قال ، وقد أطلق القرافي هذه القاعدة أي قاعدة سد الذرائع على أعم منها ، ثم زعم أن كل أحد يقول ببعضها مع أن الشافعي لا يقول بشيء منها كما سيتضح وأن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى سد الذرائع في شيء نعم حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي رضي الله عنه في باب إحياء الموات من الأم عند النهي عن منع الماء أيمنع به الكلأ إن كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل ، وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله ا هـ فقال في هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحرام والحلال تشبه معاني الحلال والحرام ا هـ .

ونازعه الشيخ الإمام الوالد يعني والده تقي الدين السبكي ، وقال إنما أراد الشافعي رحمه الله تعالى تحريم الوسائل لا سد الذرائع والوسائل تستلزم المتوسل إليه ومن هذا منع الماء فإنه يستلزم منع الكلأ الذي هو حرام ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل ولذلك نقول من حبس شخصا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له وما هذا من سد الذرائع في شيء قال الشيخ الإمام وكلام الشافعي في نفي الذرائع لا في سدها وأصل النزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في سدها ا هـ . فتنبه والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث