الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 174 ] ( الثانية ) : ما قد أشرت إليه في قولي "

وليس في طوق الورى من أصله

إلخ . . . " أي ليس في وسع البشر ، ولا سائر الخلق ، ولا في أصل خلقتهم وجبلتهم القدرة على أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن العظيم ، والذكر الحكيم ، فإنه معجزة في نفسه فليس في وسع الخلق ولا قدرتهم على مضاهاته .

وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الوفاء : وكان المرتضى العلوي يقول بالصرفة - يعني أن الله تعالى صرف العرب على الإتيان بمثله لا أنهم عجزوا .

قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل : الصرف على الإتيان بمثله دال على أن لهم القدرة حاصلة ، قال " وإن كان في الصرف نوع إعجاز إلا أن كون القرآن في نفسه ممتنعا عن الإتيان بمثله لمعنى يعود عليه ، آكد في الدلالة ، وأعظم لفضيلة القرآن .

قال : " وما قول من قال بالصرفة إلا بمثابة من قال بأن عيون الناظرين إلى عصا موسى - عليه السلام - خيل لهم أنها حية وثعبان ، لا أنها في نفسها انقلبت . قال : فالتحدي للمصرف عن الشيء لا يحسن كما لا يتحدى العجم بالعربية " قال الحافظ بن الجوزي " : وأنا أقول إنما يصرفون عن الشيء بتغير طباعهم عند نزولهم أن يقدروا على مثله ، فهل وجد لأحد منهم قبل الصرفة منذ وجدت العرب كلاما يقاربه مع اعتمادهم على الفصاحة ؟ فالقول بالصرفة ليس بشيء .

وقال شيخ الإسلام في ( الجواب الصحيح ) : " كل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن - حجة على إعجازه ، ولا تناقص في ذلك ، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له ، ثم قال " ومن أضعف الأقوال من يقول من أهل الكلام إنه معجز بصرف الدواعي مع قيام الموجب لها ، أو بسلب القدرة الجازمة ، وهو أن الله تعالى صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام ، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبا عاما مثل قوله لزكريا آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل ، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله ، فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة - مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة - من أبلغ الآيات الخارقة للعادة بمنزلة من يقول إني آخذ جميع أموال أهل هذه البلد العظيم وأضربهم جميعهم وأجوعهم ، وهم قادرون على أن يشتكوا إلى الله وإلى ولي الأمر ، وليس فيهم مع ذلك من [ ص: 175 ] يشتكي فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة ، ولو قدر أن أحدا صنف كتابا يقدر أمثاله على تصنيف مثله ، أو قال شعرا يقدر أمثاله على أن يقولوا مثله ، وتحداهم كلهم ، فقال : عارضوني ، وإن لم تعارضوني ، فأنتم كفار ، مأواكم النار ، ودماؤكم حلال - امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد ، فإذا لم يعارضوه كان هذا من العجائب الخارقة للعادة ، والذي جاء بالقرآن - صلى الله عليه وسلم - قال للخلق كلهم أنا رسول الله إليكم جميعا ، ومن آمن بي دخل الجنة ، ومن لم يؤمن بي دخل النار ، وقد أبيح لي قتل رجالهم ، وسبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم ، ووجب عليهم كلهم طاعتي ، ومن لم يعطني كان من أشقى الخلق ، ومن آياتي هذا القرآن فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله ، وأنا أخبركم أن أحدا لا يأتي بمثله .

فإنه لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه ، بل صرف الله دواعي قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه ، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ، ولا على الأكل والشرب ، فإن المنع من المعتاد ، كإحداث غير المعتاد ، فهذا من أبلغ الخوارق ، وإن كانوا عاجزين ثبت أنه خارق للعادة فثبت كونه خارقا للعادة على تقدير النقيضين النفي والإثبات ، فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر . "

قال شيخ الإسلام - قدس الله سره - : فهذا غايته غاية التنزيل ، قال : وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته لا يقدرون على ذلك .

قال : بل ولا يقدر محمد نفسه - صلى الله عليه وسلم - من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن ، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر ، كما أخبر به تعالى في قوله قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

قلت : وفي شفاء أبي الفضل القاضي عياض بعض ميل للقول بالصرفة ؛ فإنه قال : وذهب الشيخ أبو الحسن - يعني الأشعري - إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ، ولا يكون فمنعهم الله هذا ، وعجزهم عنه . قال : وقال به جماعة من أصحابه .

قال : وعلى [ ص: 176 ] الطريقين فعجز العرب عنه ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحداهم بأن يأتوا بمثله قاطع .

قال : وهو أبلغ في التعجب ، وأحرى بالتقريع ، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة ، وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء والقتل ، وتجرعوا كاسات الصغار والذل ، وكانوا من شموخ الأنف ، وإباء الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا ، ولا يرضونه إلا اضطرارا ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم لأسرعوا بالحجج ، وقطع العذر ، وإفحام الخصم لديهم ، هذا وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة بالمعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما حلوا في ذلك بحبة من بنات شفاهم ولا أتوا بنقطة من معين مياههم مع طول الأمد ، وكثرة العدد ، وتظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، انتهى كلامه

وذكر الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه " الوفاء " عن الإمام ابن عقيل أنه ، قال : حكى لي أبو محمد بن مسلم النحوي ، قال كنا نتذاكر إعجاز القرآن ، وكان ثم شيخ كثير الفضل ، فقال : ما فيه ما يعجز الفضلاء عنه ، ثم ارتقى إلى غرفة ، ومعه صحيفة ومحبرة ، ووعد أنه يبادئهم بعد ثلاثة أيام بما يعمله مما يضاهي القرآن فلما انقضت الأيام الثلاثة صعد واحد فوجده مستندا يابسا ، وقد جفت يده على القلم .

قلت : وبمثل هذه يحتج القائلون بالصرفة ، وليس بحجة لعدم حصر الهلاك فيها ، بل لما عجز أهلكه الله كمدا ، ولتجرئه على ما ليس في وسعه وقدرته ، والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث