الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ الإيمان بالبعث والنشور ] ( والبعث والنشور ) أي ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والنشور ، قال الله تبارك وتعالى لبني إسرائيل : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) ( البقرة : 56 ) وقال تعالى : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) ( البقرة : 73 ) وقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ( البقرة : 243 ) وقال تعالى : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) ( البقرة : 28 ) .

وقال تعالى : [ ص: 752 ] ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) ( البقرة : 258 - 260 ) .

وقال تعالى : ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) ( الأعراف : 57 ) وقال تعالى : ( وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( الرعد : 5 ) وقال تعالى : ( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) ( الأنعام : 29 - 31 ) الآيات . وقال تعالى : ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) ( إبراهيم : 47 - 48 ) الآيات .

وقال تعالى : ( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ) ( الحجر 23 - 25 ) وقال تعالى : [ ص: 753 ] ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) ( التوبة : 105 ) وقال تعالى : ( وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) ( الإسراء 49 - 52 ) وقال تعالى : ( ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) ( الإسراء 97 - 99 ) .

وقال تعالى : ( فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) ( الإسراء : 104 ) وقال تعالى : ( ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) ( الكهف : 12 ) وقال تعالى : ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ) إلى قوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) ( الكهف : 19 - 21 ) وقال تعالى : ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) ( الكهف : 47 - 48 ) الآيات . وقال تعالى : ( ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ) ( الكهف : 99 ) الآيات .

وقال تعالى : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) ( مريم : 68 ) الآيات إلى آخر السورة . وقال تعالى : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) ( طه : 55 ) وقال تعالى : [ ص: 754 ] ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) ( طه : 102 - 108 ) الآيات .

وقال تعالى : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) ( الأنبياء : 1 ) وقال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون ) ( الأنبياء : 38 - 39 ) وقال تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ( الأنبياء : 104 ) وقال تعالى : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) ( الحج : 1 - 7 ) وقال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) [ ص: 755 ] ( المؤمنون : 12 - 16 ) وقال تعالى عن كفر عاد : ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) ( المؤمنون 33 - 37 ) الآيات . وقال تعالى : ( وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ) ( المؤمنون : 80 - 83 ) وقال تعالى : ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) ( المؤمنون : 80 - 83 ) وقال تعالى : ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ) ( النور : 64 ) .

وقال تعالى : ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) ( الفرقان : 3 ) وقال تعالى : ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) ( يونس : 45 ) وقال تعالى : ( قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ) ( يونس : 34 ) وقال تعالى : [ ص: 756 ] ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) إلى قوله تعالى : ( بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ) إلى قوله : ( قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) إلى قوله : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ) ( النمل : 64 - 87 ) الآيات . وقال تعالى : ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) ( العنكبوت : 19 - 22 ) وقال تعالى : ( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) إلى قوله : ( الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ) ( الروم : 6 - 11 ) الآيات . إلى قوله : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون وله من في السماوات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) ( الروم : 25 - 27 ) الآيات .

وقال تعالى : ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ) ( الروم : 40 ) وقال تعالى : [ ص: 757 ] ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) ( الروم : 48 - 50 ) وقال تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) ( الروم : 55 - 56 ) الآيات .

وقال تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ) ( لقمان : 28 ) وقال تعالى : ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) ( السجدة : 10 - 11 ) الآيات . وقال تعالى : ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) ( الأحزاب : 63 ) .

وقال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) ( سبأ : 29 - 30 ) الآيات . وقال تعالى : ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ) ( سبأ : 51 ) الآيات . وقال تعالى : ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ) ( سبأ : 7 ) وقال تعالى : ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) ( فاطر : 9 ) وقال تعالى : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) ( يس : 12 ) وقال تعالى : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) ( يس : 33 ) الآيات .

وقال تعالى : [ ص: 758 ] ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) ( يس : 48 - 53 ) الآيات .

وقال تعالى : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) ( يس : 77 - 83 ) .

وقال تعالى : ( أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ) ( الصافات : 11 - 23 ) .

وقال تعالى : ( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) ( الحجر : 36 ) وقال تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) ( الزمر : 30 ) وقال تعالى : ( لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ) ( غافر : 16 ) الآيات .

وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون : ( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ) ( غافر : 33 ) الآيات . وقال تعالى : [ ص: 759 ] ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ) ( فصلت : 39 ) وقال تعالى : ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) ( فصلت : 54 ) وقال تعالى : ( وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ) ( الشورى : 7 ) وقال تعالى : ( والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون ) ( الزخرف : 11 ) وقال تعالى : ( إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ) ( الدخان : 34 - 40 ) الآيات .

وقال تعالى : ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) ( الجاثية : 22 ) وقال تعالى : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( الجاثية : 24 - 26 ) الآيات .

وقال تعالى : ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) ( الأحقاف : 33 ) وقال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ( ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ) ( ق : 1 - 4 ) إلى آخر السورة . وقال تعالى : ( والذاريات ذروا ) إلى قوله : [ ص: 760 ] ( إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ) ( الذاريات 1 - 6 ) وقال تعالى : ( والطور وكتاب مسطور ) إلى قوله : ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين ) ( الطور : 1 - 11 ) الآيات .

وقال تعالى : ( فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) ( الطور : 45 ) الآيات .

وقال تعالى : ( وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ) ( النجم : 42 - 44 ) الآيات . وقال تعالى : ( فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر ) ( القمر : 6 - 8 ) الآيات .

وقوله تعالى : ( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) ( القمر : 46 ) وقال تعالى : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) ( الرحمن : 31 ) إلى آخر السورة ، وسورة الواقعة بتمامها . وقال تعالى : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ) ( الحديد : 12 ) الآيات .

وقال تعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ) إلى قوله : ( ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) ( المجادلة : 6 - 7 ) وقال تعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) ( المجادلة : 18 ) وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) ( الممتحنة : 13 ) وقال تعالى : ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ) ( التغابن : 9 ) الآية . وقال تعالى : [ ص: 761 ] ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) ( التحريم : 8 ) وقال تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ( الملك : 2 ) .

وقال تعالى : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ( القلم : 35 ) الآيات . وسورة الحاقة بكمالها . وقال تعالى : ( سأل سائل بعذاب واقع ) ( المعارج : 1 ) وقال تعالى : ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) ( المعارج : وقال تعالى : ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ) ( المزمل : 11 ) الآيات .

وقال تعالى : ( فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ) ( المدثر : 8 ) وقال تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) ( القيامة : 1 - 4 ) الآيات . وقال تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ( القيامة : 36 - 40 ) وجاء جوابه في الحديث : " بلى إنه على كل شيء قدير " .

وقال تعالى : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) ( الإنسان : 1 ) الآيات بل السورة بتمامها وجميع السور التي بعدها : المرسلات والنبأ والنازعات وعبس والتكوير والانفطار والمطففين والانشقاق [ ص: 762 ] والطارق والغاشية والفجر والبلد وغيرها من السور ، بل القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال اليوم الآخر وتفاصيل ما فيه وتقرير ذلك بأصدق الأخبار وضرب الأمثال للاعتبار والإرشاد إلى دليل ذلك لكل امرئ بأن يعتبر في بدنه ويستدل به على إعادته ، وكذلك إحياء الأرض بعد موتها فيحييها تعالى بالمطر فتصبح مخضرة تهتز بعد موتها بالقحط وهمودها وخمودها واسودادها ، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، ولهذا يذكر إحياء الموتى بعد ذكر إحيائه الأرض ليستدل من له قلب شهيد على الآجل بالعاجل وعلى الغيب بالشهادة فيقول عز وجل : ( كذلك الخروج ) ( كذلك النشور ) ( كذلك تخرجون ) ( كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) .

وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدا ، وقد تقدم كثير منها في مواضع متفرقة ، وقال البخاري رحمه الله تعالى : " حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته . وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا ، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد " .

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده : " حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق ، وأنى أوان الصدقة " . ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان به .

[ ص: 763 ] وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيحيي الله هذا بعد ما أرم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم " قال : ونزلت الآيات من آخر يس .

وروى مسلم من طريق معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أحاديث ، منها : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا ، فيه يركب يوم القيامة . قالوا : أي عظم هو يا رسول الله ؟ قال : عجب الذنب " . وفيه من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب ، منه خلق وفيه يركب " . وقال رحمه الله تعالى : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بين النفختين أربعون - قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوما ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهرا ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت . ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل قال وليس من الإنسان شيء [ ص: 764 ] إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " . ورواه البخاري عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش بمعناه ، دون قوله : " ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء " .

وتقدم حديث عبد الله بن عمرو قريبا وفيه : " ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا . قال : وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس ، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل - أو الظل ، نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . ثم يقال : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ، وقفوهم إنهم مسئولون . قال ثم يقال : أخرجوا بعث النار ، فيقول : من كم ؟ فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . قال فذلك يوم يجعل الولدان شيبا ، وذلك يوم يكشف عن ساق " .

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة ، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش ، فلا أدري كذلك كان أم بعد النفخة " .

وفي حديث الصور الآتي قريبا إن شاء الله " ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش ، ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا ، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيت - أو كنبات البقل - حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت ، كما كانت قال الله عز وجل : ليحيي حملة العرش ، فيحيون . ويأمر الله عز وجل إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه [ ص: 765 ] على فيه ثم يقول : ليحيى جبريل وميكائيل ، فيحييان . ثم يدعو الله بالأرواح ليؤتى بها ، تتوهج أرواح المسلمين نورا وأرواح الكافرين ظلمة ، فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض ، فيقول : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنهم وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون " الحديث .

وروى الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه وفي كتاب السنة له قال : كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري : كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك ، فحدث بذلك عني ، قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي قال حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر أنه خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال لقيط : خرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال : " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لتسمعوا اليوم ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا له اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألا ثم رجل لعله يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال ، ألا إني مسئول ، هل بلغت ؟ ألا اسمعوا تعيشوا ، ألا اجلسوا . فجلس الناس . وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده ونظره قلت : يا رسول الله ، ما عندك من علم الغيب فضحك فقال : ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله عز وجل ، وأشار بيده ، فقلت : ما هن يا رسول الله ؟ قال : علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم المني حين يكون [ ص: 766 ] في الرحم ، قد علمه وما تعلمونه . وعلم ما في غد ، قد علم ما أنت صانع ولا تعلمه . وعلم يوم الغيث ، يشرف عليكم آزلين مشفقين ، فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب . قال لقيط : فقلت لن نعدم من رب يضحك خيرا يا رسول الله . قال : وعلم يوم الساعة . قلنا : يا رسول الله ، علمنا مما تعلم الناس وما تعلم ، فإنا من قبيل لا يصدق تصديقنا أحد ، من مذحج التي تربو علينا ، وخثعم التي توالينا ، وعشيرتنا التي نحن منها . قال : تلبثون ما لبثتم ، ثم يتوفى نبيكم ، ثم يبعث الصيحة ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شىء إلا مات ، والملائكة الذين مع ربك ، فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض وخلت البلاد ، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تجعله من عند رأسه ، فيستوي جالسا ، فيقول ربك مهيم لما كان فيه ، يقول : يا رب أمس اليوم لعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله . فقلت : يا رسول الله ، فكيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلاء والسباع ؟ قال : أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية ، فقلت : لا تحيا أبدا ، ثم أرسل الله عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم . قال قلت : يا رسول الله كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : أنبئك بمثل هذا في آلاء الله : الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونها وتريانكم ساعة واحدة ولا تضارون في رؤيتهما . قلت فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ قال : تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية ، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من ماء فينضح بها قبلكم ، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحد منكم منها قطرة ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما الكافر فينضحه - أو قال فينطحه - بمثل الحميم الأسود ، ألا ثم ينصرف نبيكم ويتفرق [ ص: 767 ] على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول : حس يقول ربك عز وجل أو أنه ، ألا فتطلعون على حوض نبيكم على أظمأ والله ناهلة قط ما رأيتها ، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى ، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منها أحدا . قال قلت : يا رسول الله ، فبم نبصر ؟ قال : بمثل بصرك ساعتك هذه ، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض وواجهت به الجبار . قال قلت : يا رسول الله ، فبم نجزى من حسناتنا وسيئاتنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو . قال قلت : يا رسول الله ، ما الجنة وما النار ؟ قال : لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما . قلت : يا رسول الله ، فعلام نطلع من الجنة ؟ قال على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة . ولعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه ، وأزواج مطهرة . قلت : يا رسول الله ، أولنا فيها أزواج ومنهن المصلحات ؟ قال : المصلحات للصالحين - وفي لفظ الصالحات للصالحين - تلذونهن ويلذونكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا توالد . قال لقيط : فقلت يا رسول الله ، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه ؟ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم . قال قلت : يا رسول الله ، علام أبايعك ؟ فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال : على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال المشرك وألا تشرك بالله إلها غيره . قال قلت : يا رسول الله ، وإن لنا ما بين المشرق والمغرب . فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وظن أني مشترط ما لا يعطينيه . قال قلت : نحل منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ إلا نفسه . فبسط يده وقال : لك ذلك ، تحل منها حيث شئت ولا يجني عليك إلا نفسك . قال فانصرفنا عنه ثم قال : ها إن ذين ، ها إن ذين ( مرتين ) من أتقى الناس في الأولى والآخرة . فقال له كعب بن الخدارية أحد بني بكر في كلاب : من هم يا رسول الله ؟ قال بنو المنتفق بنو المنتفق أهل ذلك منهم . قال فانصرفنا . وأقبلت عليه فقلت : يا رسول الله ، هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم ؟ فقال رجل من عرض قريش : والله إن أباك المنتفق لفي النار . قال فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رءوس الناس ، فهممت [ ص: 768 ] أن أقول وأبوك يا رسول الله ، ثم إذا الأخرى أجمل فقلت : يا رسول الله وأهلك ؟ قال : وأهلي ، لعمر الله حيث ما أتيت على قبر ] كافر [ عامري أو قرشي أو دوسي قل : أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوؤك ، تجر على وجهك وبطنك في النار . قال قلت : يا رسول الله ، وما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إياه ، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين " .

ورواه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدثنا محمد بن منصور الجواز أبو عبد الله قال حدثنا يعقوب بن عيسى الزهري قال حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن قال حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري ثم السمعي عن دلهم بن الأسود بن عبد الله عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر أنه خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ، قال فقدمنا المدينة لانسلاخ رجب ، فصلينا معه صلاة الغداة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا وذكر الحديث بنحو ما تقدم مع مغايرة في بعض الألفاظ .

وقال الحافظ ابن القيم بعد أن ساقه في الهدى عن زوائد المسند : هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ، رواه أئمة [ ص: 769 ] السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته ، فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة وقال : كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتب به إليك فحدث به عني . ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو النبيل في كتاب السنة له . ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة . ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في كثير من كتبه . ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة . ومنهم الحافظ عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان . ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه . ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني . وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم . وقال ابن منده : روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما . قد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده بل رووه على سبيل القبول والتسليم . ولا ينكر هذا الحديث إلا جاهل أو متجاهل أو مخالف للكتاب والسنة ، هذا كلام أبي عبد الله بن منده .

قلت : وقال ابن كثير بعد إيراده في الوفود : هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور ، وعبد الحق الإشبيلي في العاقبة ، والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة . انتهى .

قلت : وقد تكلم ابن القيم عن غريب بعض مفرداته فقال رحمه الله تعالى : [ ص: 770 ] قوله " تهضيب " أي تمطر . و " الأصواء " القبور . و " الشربة " بفتح الراء الحوض الذي يجمع فيه الماء ، وبالسكون الحنطة ، يريد أن الماء قد كثر ، فمن حيث شئت تشرب . وعلى رواية السكون يكون شبه الأرض بخضرتها بالنبات بخضرة الحنطة واستوائها وقوله " حس " كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه على غفلة ما يحرقه أو يؤلمه ، قال الأصمعي : وهي مثل أوه ، وقوله : يقول عز وجل " أو أنه " قال ابن قتيبة : فيه قولان أحدهما أن يكون بمعنى نعم ، والآخر أن يكون الخبر محذوفا كأنه قال : أنتم كذلك ، أو أنه على ما يقول . و " الطوف " الغائط ، وفي الحديث : " لا يصل أحدكم وهو يدافع الطوف والبول " . و " الجسر " الصراط . وقوله : فيقول ربك " مهيم " أي ما شأنك وما أمرك وفيم كنت ؟ وقوله : " يشرف عليكم أزلين " الأزل بسكون الزاي الشدة والأزل على وزن الكتف هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط . وقوله : " فيظل يضحك " هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته . وقد وردت هذه القصة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها ، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها ، وكذلك " فأصبح ربك يطوف في الأرض " هو من صفات فعله كقوله ( وجاء ربك والملك ) ( الفجر : 22 ) ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ) ( الأنعام : 153 ) وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ويدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة " . والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم : إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل .

وقوله " والملائكة الذين عند ربك " لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل في الصور ، وقد يستدل عليه بقوله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) ( الزمر : 68 ) وقوله : " فلعمر إلهك " هو قسم بحياة الرب جل جلاله ، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته وانعقاد اليمين بها وأنها قديمة وأنه يطلق عليه منها أسماء [ ص: 771 ] المصادر ويوصف بها ، ذلك قدر زائد على مجرد الأسماء وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها . وقوله : " ثم تجيء الصائحة " هي صيحة البعث ونفخته . وقوله : " حتى يخلف من عند رأسه " هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده ، تشبيه النشأة الأخرى بعد الموت بخلاف الزرع بعدما حصد ، وتلك الخلفة من رأسه كما ينبت الزرع . وقوله : " فيستوي جالسا " هذا عند تمام خلقته وكمال حياته ، ثم يقوم بعد جلوسه قائما ، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا . وقوله : " يقول يا رب أمس اليوم " استقلالا لمدة لبثه في الأرض كأنه لبث فيها يوما فقال أمس أو بعض يوم فقال اليوم ، يحسب أنه حديث عهد بأهله وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم وقوله : " كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلاء والسباع ؟ " وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم له على هذا السؤال رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات ، وإن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف منهم بالعمليات . وفيه دليل أنهم كانوا يوردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات ، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم . وقد أورد عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه ، أما أعداؤه فللتعنت والمغالبة ، أما أصحابه فللفهم والبيان وزيادة الإيمان ، وهو يجيب كلا على سؤاله إلا ما لا جواب عنه كسؤال عن وقت الساعة . وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعد ما فرقها وينشئها نشأة أخرى أو يخلقه خلقا جديدا كما سموا في كتابه كذلك في موضعين منه ، وقوله : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله " آلاؤه نعمه وآياته التي تعرف بها إلى عباده ، وفيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد ، والقرآن مملوء منه ، وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره ، وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله ، فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر ، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبا له وتعجيزا له وطعنا في حكمه تعالى عما يقولون علوا كبيرا .

[ ص: 772 ] وقوله في الأرض " أشرفت عليها وهي مدرة بالية " كقوله تعالى : ( يحيي الأرض بعد موتها ) ( الروم : 50 ) وقوله : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى ) ( فصلت : 39 ) ونظائره في القرآن كثيرة .

وقوله : " فتنظرون إليه وينظر إليكم " فيه إثبات صفة التجلي لله عز وجل وإثبات النظر له وإثبات رؤيته في الآخرة ونظر المؤمنين إليه . وقوله : " كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد " قد جاء هذا الحديث وفي قوله في حديث آخر : " لا شخص أغير من الله " والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص بل هم أشرف عقولا وأصح أذهانا وأسلم قلوبا من ذلك ، وحقق صلى الله عليه وسلم وقوع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون .

وقوله : " فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم " فيه إثبات صفة اليد لله عز وجل بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح . و " الريطة " الملاءة . و " الحمم " جمع حممة وهي الفحمة .

وقوله : " ثم ينصرف نبيكم " هذا انصراف من موضع القيامة إلى الجنة .

وقوله : " ويفرق على أثره الصالحون " أي يفزعون ويمضون على أثره . قوله : " فتطلعون على حوض نبيكم " ظاهر هذا أن الحوض من وراء الجسر فكأنهم لا يصلون إليه حتى يقطعوا الجسر ، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم : هلم ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله . قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " قال : فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون [ ص: 773 ] في الموقف قبل الصراط ؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم فمن جازه سلم من النار .

قلت : وليس بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعارض ولا تناقض ولا اختلاف ، وحديثه كله يصدق بعضه بعضا ، وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يرى ولا يوصل إليه إلا بعد قطع الصراط ، فحديث أبي هريرة هذا وغيره يرد قولهم ، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جازوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض فشربوا منه فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا وهو لا يناقض كونه قبل الصراط ، فإن قوله " طوله شهر وعرضه شهر " فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى وراء الجسر فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده ، فهذا في حيز الإمكان ووقوعه موقوف على خبر الصادق والله أعلم .

وقوله : " والله على أظمأ ناهلة قط " الناهلة العطاش الواردون الماء أي يردونه أظمأ ما هم إليه وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط فإنه جسر النار وقد وردوها كلهم فلما قطعوه اشتد ظمأهم إلى الماء فوردوا حوضه كما وردوه في موقف القيامة .

وقوله " تحبس الشمس والقمر " أي تختفيان فتحتبسان ولا يريان ، والاحتباس التواري والاختفاء ، ومنه قول أبي هريرة " فانحبست " . وقوله " ما بين البابين مسيرة سبعين عاما " يحتمل أن يريد به ما بين الباب والباب هذا المقدار ، ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين ، ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما لوجهين : أحدهما أنه لم يصرح فيه راويه بالرفع بل قال : ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاما ، والثاني أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه والله أعلم .

وقوله في خمر الجنة " ما بها صداع ولا ندامة " تعريض بخمر الدنيا وما يلحق بها من صداع الرأس والندامة على ذهاب العقل والمال وحصول الشر الذي يوجبه زوال العقل . " وماء غير آسن " هو الذي لم يتغير بطول مكثه .

[ ص: 774 ] وقوله في نساء الجنة " غير أن لا توالد " قد اختلف الناس هل تلد نساء أهل الجنة ؟ على قولين : فقالت طائفة لا يكون فيها حبل ولا ولادة ، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديث آخر أظنه في المسند وفيه : " غير أن لا مني ولا منية " .

وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة واحتجت بما رواه الترمذي في جامعه من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي " قال الترمذي حسن غريب ، ورواه ابن ماجه .

قالت الطائفة الأولى : هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة ، فإنه علقه بالشرط فقال : " إذا اشتهى " ولكنه لا يشتهي ، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه البخاري عنه . قالوا والجنة دار جزاء على الأعمال وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء . قالوا والجنة دار خلود ولا يموت فيها فلو توالد فيها أهلها على الدوام والأوابد لما وسعتهم ، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت . وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت : إذا إنما تكون للمحقق وقوعه لا المشكوك فيه وقد صح أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ليسكنهم إياها بلا عمل ، قالوا : وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل . وأما من حيث سعتها فلو رزق كل واحد منهم عشرة آلاف من الولد وسعتهم ، فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام .

وقوله : " يا رسول الله أقصى ما نحن بالغون ومنتهون " لا جواب لهذه المسألة ؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله ، وإن أراد أقصى ما نحن بالغون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهي إليه من ذلك ، [ ص: 775 ] وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم ، ولهذا لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله في عقد البيعة " وزيال المشرك " أي مفارقته ومعاداته فلا تجاوره ولا تواليه كما جاء في الحديث الذي في السنن : " لا تراءى ناراهما " يعني المسلمين والمشركين .

وقوله " حيث ما مررت بقبر كافر فقل : أرسلني إليك محمد " هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي ، وفيه دليل على سماع أصحاب القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم ودليل على أن من مات مشركا فهو في النار وإن مات قبل البعثة لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه وليس معهم حجة من الله به وقبحه ، والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت ، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها ، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث