الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم

( حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا ) وفي نسخة أنبأنا ( سعيد بن عامر ) أي الضبعي أبو محمد البصري أخرج حديثه الستة ( والحجاج ) [ ص: 177 ] بفتح حاء مهملة وتشديد الجيم الأولى ( بن منهال ) بكسر الميم فسكون نون أبو محمد السلمي البصري ، أخرج حديثه الستة ( عن همام ) بتشديد الميم الأولى وسيأتي ذكره مبسوطا ( عن ابن جريج ) بالجيمين مصغرا وسبق ذكرهما ( عن الزهري ) تابعي جليل ( عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء ) أي إذا أراد دخوله ( نزع خاتمه ) بفتح التاء ويكسر لاشتماله على لفظ الله ، فاستصحابه في الخلاء مكروه ، وقيل : حرام ، وقال العصام : لاشتماله على جملة من جمل القرآن ، واشتماله على اسم نبي من أنبيائه ، وعلى وصف من أوصاف جميع رسله ، ويناقش في الأول بأنه ليس المراد منه القرآن ، ولا يصير القرآن إلا بالقصد ، ألا ترى أنه يجوز للجنب أن يقول : الحمد لله بلا كراهة ، إلا إذا قصد به التلاوة ، اللهم إلا أن يقال : مراده صورة جملة من القرآن ، وأما قول ميرك : وهو آية من كتاب الله ، فغير صحيح ; ولعل مراده بعض آية ، والحديث رواه أبو داود أيضا وفي روايته ، وضع مكان نزع ولا منافاة بينهما ، إذ لا وضع إلا بعد النزع ، نعم رواية النزع تدل على لبسه بخلاف رواية الوضع ، تأمل قال ميرك : اعلم أن أبا داود أخرج هذا الحديث في سننه ، وقال في آخره : هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ، ثم ألقاه والوهم فيه من همام ، ولم يروه إلا همام انتهى . وكذا ضعفه النسائي والبيهقي ، وأما المؤلف فأخرجه في الجامع ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وصححه ابن حبان أيضا ، والحاكم في المستدرك ، وقال : على شرط الشيخين ، وقال النووي : ضعفه الجمهور ، وما ذكره الترمذي ، مردود عليه ، والوهم فيه من همام ، ولم يروه إلا همام ، قال الجزري : في هذا التضعيف نظر ، فإن هماما هذا هو ابن يحيى بن دينار أبو عبد الله الأزدي ، واتفق الشيخان على الاحتجاج به ، ووثقه ابن معين والأئمة كلهم ، وقال أحمد : هو ثبت في كل المشايخ ، وقال ابن رعدي : هو أصدق وأشهر من أن يذكر له حديث منكر ، إذ أحاديثه مستقيمة ، وصوب الحافظ عبد العظيم المنذري قول تفرده لا يوهن الحديث ، وإنما يكون غريبا كما قاله الترمذي ، انتهى كلام الشيخ ، أقول : أما حكم أبي داود عليه بالنكارة فوجهه أن هماما خالف الناس برواية هذا الحديث عن ابن جريج ، والمعروف عنه بهذا الإسناد هو الحديث الذي أشار إليه أبو داود ، وهكذا وجهه الزين العراقي في شرح ألفيته ، وهو هذا أحد قسمي المنكر عند ابن الصلاح وكثير من المتقدمين ، وخص بعض المتأخرين المنكر بالحديث الذي خالف الضعيف الثقة ، كما صرح به العسقلاني في شرح النخبة ، وخص الشاذ بما رواه الثقة مخالفا لما رواه من هو أرجح منه ، لمزيد ضبطه أو أكثره عددا ، وقال في آخر بحث الشاذ والمنكر ، الفرق بينهما أن الشاذ رواية ثقة ، والمنكر رواية ضعيف قال : وقد غفل من سوى بينهما ، فعلى هذا الحكم على حديث همام هذا بالشذوذ أولى من الحكم عليه بالنكارة ; لأنه ثقة باتفاق الأئمة ; ولهذا صححه الترمذي لكنه حكم عليه بالغرابة ; لأنه لم يروه غيره ثم وجدت له متابعا عند الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه من رواية يحيى بن [ ص: 178 ] المتوكل عن ابن جريح ، وصححه الحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، وضعفه البيهقي وقال : هذا شاهد ضعيف ، وكان البيهقي ظن أن يحيى بن المتوكل هو ابن عقيل ، وهو ضعيف ، وليس هو به ، وإنما هو باهلي يكنى أبا بكر ، ذكره ابن حبان في الثقات ، ولا يقدح فيه قول ابن معين : لا أعرفه ، فقد عرفه غيره ، وروى عنه نحو من عشرين نفسا ، إلا أنه اشتهر تفرد همام به عن ابن جريج ، قاله الزين العراقي ، والله أعلم .

على أن أئمة الحديث أطبقوا على أن الزهري وهم في الحديث الذي أشار إليه أبو داود ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ خاتما من ورق ، ثم ألقاه ، قال النووي : تبعا للقاضي عياض هذا الحديث رواه عن الزهري جماعة من الثقات ، لكن اتفق حفاظ الحديث على أن ابن شهاب وهم فيه وغلط ; لأن المعروف عند غيره من أهل الحديث أن الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب ، لا خاتم الورق ، وكذا نقل العسقلاني في شرح البخاري ، عن أكثر أئمة الحديث ، أن الزهري وهم فيه قال : ومنهم من تأوله وأجاب عن هذا الوهم بأجوبة أقربها ما اختاره الشيخ من أنه يحتمل أنه اتخذ خاتم الذهب للزينة ، فلما تتابع الناس فيه وافق تحريمه فطرحه ; ولذا قال : لا ألبسه أبدا ، كما سيأتي ، وطرح الناس خواتيمهم تبعا له ، وصرح بالنهي عن لبس خاتم الذهب ، ثم احتاج إلى الخاتم ; لأجل الختم به ، فاتخذه من الفضة ، ونقش عليه اسمه الكريم ، فتبعه الناس أيضا في ذلك ، فرمى به حتى رمى الناس كلهم تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه ; لئلا تفوت مصلحة النقش بوقوع الاشتراك ، فلما عدمت خواتيمهم برميها رجع إلى خاتمه الخاص به ، فصار يختم به ، ويشير إلى ذلك قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس عند البخاري ، إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا ، فلا ينقش عليه أحد ، فعلل بعض من لم يبلغه النهي أو بعض من بلغه النهي ، ممن لم يرسخ في قلبه الإيمان من منافق ونحوه ، اتخذوا فنقشوا فوقع ما وقع ، ويكون نشأ له غضب ممن تشبه له في ذلك النقش انتهى ، وأقول الأظهر في الجواب والله أعلم بالصواب أنه صلى الله عليه وسلم بعد تحريمه خاتم الذهب لبس خاتم الفضة على قصد الزينة ، فتبعه الناس محافظة على متابعة السنة ، فرأى أن في لبسه ما يترتب عليه من العجب والكبر والخيلاء ، فرماه فرماه الناس ، فلما احتاج إلى لبس الخاتم لأجل الختم به لبسه ، وقال للناس : " إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا - أي للمصلحة - فلا ينقش عليه أحد " أي اسمنا بل ينقش اسمه إذا احتاج إلى الخاتم ، وبهذا يظهر وجه قول من قال بكراهة لبس الخاتم لغير الحكام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث