الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الاستلحاق

جزء التالي صفحة
السابق

( درس ) ( فصل ) وفي نسخة ( باب ) في الاستلحاق ، وهو ادعاء رجل أنه أب لهذا فيخرج هذا أبي ، أو أبو فلان ولذا قال ( إنما يستلحق الأب ) ولدا ( مجهول النسب ) ولو كذبته أمه لتشوف الشارع للحوق النسب لا مقطوعه كولد الزنا المعلوم أنه من زنا ولا معلومه وحد من ادعاه حد القذف ( إن لم يكذبه العقل لصغره ) أي الأب ( أو العادة ) كاستلحاقه من ولد ببلد بعيد علم أنه لم يدخله ( ولم يكن ) المجهول ( رقا لمكذبه ) أي لمن كذب الأب في استلحاقه ( أو مولى ) أي عتيقا لمن كذبه ; لأنه يتهم على إخراج الرقبة من رق مالكها ، أو على إزالة الولاء عمن أعتقه ومنطوقه صادق بصورتين ما إذا صدقه السيد وما إذا لم يكن رقيقا ولا مولى [ ص: 413 ] ( لكنه ) أي الرقيق ، أو المولى ( يلحق به ) أي بمن استلحقه حيث كذبه المالك ، أو الحائز لولائه إن تقدم له على أمه ملك إلا أنه يستمر ملكا ، أو مولى للمكذب يتصرف فيه تصرف الملاك ( وفيها أيضا ) أي في محل آخر ( يصدق ) المستلحق بالكسر إذا باعه ، أو باع أمه حاملا ، أو باعه مع أمه ( وإن أعتقه مشتريه إن لم يستدل على كذبه ) بما مر من عقل ، أو عادة وينزعه من المشتري ويرد له الثمن ويصير أبا له فهذه المسألة فيما إذا باع العبد مستلحقه وما قبلها فيما إذا لم يبعه فلم يكن ذكرها استشكالا خلافا لبعض الشراح ويصح الاستلحاق .

التالي السابق


( فصل في الاستلحاق ) ( قوله ، وهو ادعاء رجل أنا أب لهذا ) هذا قيد لبيان الواقع ; لأن الشخص لا يكون أبا لنفسه إن قلت إن الاستلحاق طلب لحوق شيء ، والادعاء إخبار بقول يحتاج لدليل فكيف يصح تفسيره به مع أن الإخبار مقابل للطلب وأجيب بأن ما ذكر أصل الاستلحاق في اللغة ، ثم غلب في عرف الفقهاء على ما ذكره الشارح ( قوله إنما يستلحق الأب ) أي لا الأم اتفاقا ، والمراد الأب دنية فلا يصح الاستلحاق من الجد على المشهور وقال أشهب يستلحق الجد وتأوله ابن رشد على ما إذا قال أبو هذا ولدي لا إن قال هذا ابن ولدي فلا يصدق وسيأتي نحو هذا للشارح في الإقرار بوارث غير ولد وحينئذ فلا مخالفة بين الشخصين وهذا أن الرجل إنما يصدق في إلحاق ولد بفراشه لا في إلحاقه بفراش غيره واعترض على المصنف بأنه إنما حصر الاستلحاق في مجهول النسب ولم يحصر الاستلحاق في الأب فيفهم منه أن غير الأب له أن يستلحق غير مجهول النسب ، وهو فاسد إذ لا يصح الاستلحاق إلا من الأب فكان الواجب أن يحصر الاستلحاق في الأب بحيث يقول إنما يستلحق مجهول النسب الأب فيؤخر الأب ; لأن المحصور فيه بإنما يجب تأخيره وأجيب بجعل المؤخر معمولا لمقدر معطوف على يستلحق فيتعلق به الحصر لعطفه على مدخول أداة الحصر أي إنما يستلحق الأب ويستلحق ولد مجهول النسب ، أو معمولا لمقدر مستأنف استئنافا بيانيا ; لأنه لما قال إنما يستلحق الأب كأنه قيل ومن الذي يستلحقه فقال مجهول النسب أي يستلحق مجهول النسب ، أو يقال إن الغالب في إنما الحصر في المتأخر فقط وقد يكون فيه وفيما قبله أيضا كما تقدم في إنما يجب القسم للزوجات في المبيت فكذلك هنا الحصر في الفاعل ، والمفعول معا لتأخرهما عن الفعل ( قوله مجهول النسب ) أي مجهول الانتساب لأب معين ويستثنى منه اللقيط فإنه لا يصح استلحاقه إلا ببينة ، أو بوجه كمجاعة ، أو لكونه لا يعيش له أولاد فيطرحه لأجل أن يعيش ( قوله ولو كذبته أمه ) ولا يشترط أن يعلم تقدم ملك أم هذا الولد ، أو نكاحها لهذا المستلحق على المشهور ، وهو ظاهر المدونة وقال سحنون يشترط ذلك ابن عبد السلام ، وهو قول لابن القاسم ووجه الأول أنهم اكتفوا في هذا الباب بالإمكان فقط لتشوف الشارع للحوق النسب ما لم يقم دليل على كذب المقر انظر ح ( قوله إن لم يكذبه العقل ) هذا شرط أول لصحة الاستلحاق وقوله ولم يكن رقا إلخ شرط ثان ومنطوقه صورتان ومفهومه ، وهو ما إذا كان رقا ، أو مولى لمكذبه ففيه تفصيل تارة يحصل استلحاق غير تام وتارة لا يحصل أصلا ، وأشار المصنف للأول بقوله لكنه إلخ ( قوله لصغره ) أي لصغر الأب المستلحق مع كون الولد المستلحق بالفتح كبيرا فإن ذلك يحيله العقل لما فيه من تقدم المعلول على علته ( قوله كاستلحاقه من ولد ببلد بعيد إلخ ) أي وكاستلحاق من علم أنه لم يقع منه نكاح ولا تسر أصلا فإن العادة لا العقل تحيل أن يكون له ولد ; لأن كون الولد إنما يكون بين ذكر وأنثى عادي لا عقلي ولذا قيل في قوله تعالى : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } إن هذه حجة عرفية لا عقلية ( قوله علم أنه لم يدخله ) فإن شك في دخوله فمقتضى ابن يونس أنه كذلك ومقتضى البرادعي صحة استلحاقة ( قوله ; لأنه يتهم على إخراج الرقبة إلخ ) اعترضه المسناوي بأنه لا يلزم من اللحوق خروج الرقبة من الرقبة إذ قد يتزوج الحر أمة ويولدها فالولد لاحق بأبيه ورقيق لسيد أمه ولذا قال ابن رشد الظاهر من جهة النظر قول أشهب باللحوق ، بل وقع مثله لابن القاسم في سماع عيسى فكأن ابن القاسم في قوله المشهور ، وهو عدم اللحوق رأى أن السيد قد تلحقه مضرة في المستقبل لو ثبت اللحوق إذ قد يعتق هذا العبد ويموت عن مال فتقدم عصبة نسبه على سيده فلتلك المضرة قيل بعدم اللحوق ا هـ .

بن [ ص: 413 ] قوله لكنه يلحق به ) أي لكنه يلحق نسبه بمن استلحقه ( قوله إن تقدم له على أمه ملك ) أي ، وأما إن استلحق رقا لمكذبه ، أو مولى لمكذبه ولم يتقدم له ملك على أمه فإنه لا يلحق به أصلا لا في الظاهر ولا في الباطن ، والحاصل أنه إذا استلحق رقا لمكذبه ، أو مولى لمكذبه فتارة لا يحصل الاستلحاق أصلا ، وذلك إذا لم يتقدم للمستلحق ملك على أم الولد المستلحق وتارة يحصل الاستلحاق ناقصا ، وذلك إذا تقدم له ملك على أمه فقول المصنف لكنه يلحق به إشارة لبعض مفهوم قوله ولم يكن رقا إلخ ، وهو القسم الثاني منه .

( قوله إلا أنه يستمر ملكا ) أي ولا منافاة بين ثبوت نسبه وبقائه رقا لآخر ; لأن الشخص قد يكون رقا نسيبا كمن تزوج بأمة آخر ، وأولدها فذلك الولد نسيب أي ثابت النسب ورقيق لسيد الأم ( قوله وفيها أيضا يصدق إلخ ) أي إن من باع عبدا وحده ، أو مع أمه وبقي ، أو أعتقه المشتري ، ثم استلحقه البائع فإنه يلحق به وينقض البيع ، والعتق وينزعه المستلحق من المشتري ويرد له الثمن ( قوله يصدق المستلحق ) أي الذي كذبه المالك وقوله ، وإن أعتقه المشتري أي الذي هو مكذب للمستلحق . قوله ( فهذه المسألة ) أي قوله وفيها إلخ وقوله وما قبلها أي وهي قوله ولم يكن رقا لمكذبه أي فإن كان رقا له لم يصح الاستلحاق ، والحاصل أن هذه المسألة محمولة على ما إذا تقدم له عليه ملك وما تقدم محمول على ما إذا لم يتقدم له عليه ملك فقد اختلف موضوع المسألتين ، وإن كان المالك مكذبا للمستلحق فيهما ولاختلاف الموضوع كان الحكم فيهما مختلفا فقد حكم في الأول بعدم صحة الاستلحاق وفي الثانية بصحته ، وهذا التوفيق لأبي الحسن والعوفي .

( قوله خلافا لبعض الشراح ) أي حيث جعل هذا كله كالمعارض للأول أي فمعنى قوله وفيها أي وفيها قول آخر معارض للأول ، والموضوع فيهما واحد ، وهو علم تقدم ملك المستلحق له ، أو لأمه فقد تقدم أنه يستمر ملكا للمكذب يتصرف فيه كيف شاء ، وهذا حكم بأن المستلحق يصدق وينزعه من المالك قال بن وقد حصل ح هنا مذهب ابن القاسم فقال فتحصل أنه إذا استلحق من هو في ملك غيره ، أو في ولائه سواء تقدم ملكه له ، أو لا هل يصدق ، أو لا قولان وعلى تصديقه ، وهو الظاهر فإن كان المستلحق لم يدخل في ملكه فإنه يبقى في ملك مالكه ، وإن كان هو البائع له فإنه يلحق به وينقض البيع إن كان المشتري لم يعتقه فإن أعتقه المشتري فهل ينقض البيع ، والعتق ، أو لا قولان ويظهر من كلام ابن رشد ترجيح القول بنقض البيع ، والعتق ا هـ .

وظاهر سياقه كما قاله بعضهم أن مورد هذا التقسيم هو صورة التكذيب والله أعلم ا هـ .

، كلامه ، وأما في صورة التصديق فيلحق به جزما ، ثم إن كان المستلحق لم يدخل في ملكه فهو في ملك مالكه ، وإن كان هو البائع له نقض البيع ، والعتق قولا واحدا ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث