الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


والنقود لا تتعين في عقود المعاوضات بالتعيين عندنا ، ويتعين عند زفر والشافعي حتى لو اشترى شيئا بدراهم معينة فحبسها وأعطى البائع مثلها فليس له أن يأتي ذلك عندنا ، ولو هلكت تلك الدراهم ، أو استحقت لا يبطل البيع عندنا ، ويبطل عند زفر والشافعي - رحمهما الله - لأن هذا تصرف صدر من أهله في محله فيصح به التعين كما في السلع ، وهذا بدل في عقد معاوضة فيتعين بالتعين كالمبيع ، وبيان الوصف أن النقود تملك أعيانها ، وموجب عقد المعاوضة الملك فيما يملك عينه من المال فيكون محلا لموجب العقد وكان هذا التعيين مصادفا محله ، والدليل عليه أن النقود تتعين بالقبض حتى إن الغاصب لو أراد حبس الدراهم المغصوبة ، ورد مثلها لم يكن له ذلك ، وكذلك في الهبة تتعين حتى يكون للواهب الرجوع في عينها ، وفي الصدقة والوصية كذلك ، وكذلك في عقود المعاوضات ، وهذا لأن في التعيين فائدة لهما أما للبائع فلأنه إذا ملك العين كان أحق به من سائر غرماء المشتري بعد موته ، ولا يملك المشتري إبطال حقه بالتصرف فيه وربما يكون ذلك من كسب حلال فيرغب فيه ما لا يرغب في غيره ، وأما منفعة المشتري فمن حيث إنه لا يطالب بشيء آخر إذا هلكت تلك العين في يده ، وأن تكون ذمته خالية عن الدين ، وبهذا الطريق تتعين الدراهم في الوكالة حتى لو دفع إليه الدراهم ليشتري بها شيئا فهلكت بطلت الوكالة ، ويتعين في النذر أيضا ، والدليل على أنها تتعين في البيع أن الغاصب إذا اشترى بالدراهم المغصوبة بعينها طعاما ، ونقدها لا يباح له تناولها ، ولو لم تتعين لحل له ذلك كما لو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقد تلك الدراهم ، وقال في الجامع : إذا قال إن بعت هذا العبد بهذا الألف ، وبهذا الكر فيهما صدقة فباعه بهما يلزمه التصدق بالكر فلو لم تتعين تلك الدراهم لما لزمه التصدق كما لو باعه بألف مرسلة وبذلك الكر

ولأجل هذه المسألة كان الكرخي يقول [ ص: 16 ] : النقود تتعين في العقود جوازا لا استحقاقا حتى لا يملك عينها بالعقد ، ولهذا لا يلزمه التصدق بالدراهم ، وتعتبر بعينها حتى يتصدق بالكر ، وحجتنا في ذلك أن الاستبدال بالنقود قبل القبض يجوز وإن عينت ، ولو تعينت حتى ملك عينها لصار قبضها مستحقا ، وفي الاستبدال تفويت القبض المستحق بالعقد فلا يجوز ذلك كما في السلع ، ولو كان العقد يبطل بهلاكها بعد التعيين لم يجز الصرف فيها قبل القبض لبقاء الغرر في الملك المطلق كما في السلع فإن منع الشافعي هذا الفصل يستدل بحديث { ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا نبيع الإبل بالبقيع فربما نبيعها بالدراهم ونأخذ مكانها دنانير فقال صلى الله عليه وسلم : لا بأس إذا افترقتما ، وليس بينكما عمل } ولم يستفسره أنهم يبيعون بالدراهم المعينة أو غير المعينة ، وفيه طريقتان من حيث المعنى أحدهما أن تعيين النقد غير مقيد فيما هو المقصود بالعقد فيكون لغوا كتعيين الصنجات والمكيال ، وهذا لأنه إنما يراعي في العقد ما يكون مفيدا ، ألا ترى أن أصل العقد إذا لم يكن مقيدا لا يعتبر فكذلك الشرط في العقد ، وبيان الوصف أن التعيين لا يفيد جواز العقد فإن العقد جائز بتسمية الدراهم المطلقة من غير تعيين ، والمقصود بالعقد الربح ، وذلك بقدر الدراهم لا بعينها ، وليس في غير الدراهم والدنانير مقصود ، إنما المقصود المالية ، وما وراء ذلك هي والأحجار سواء ، والمالية باعتبار الرواج في الأسواق ، ومثلها وعينها لا يختلف في هذا المعنى فعرفنا أن التعيين غير مفيد فيما هو المطلوب بالعقد ، وبه فارق المكيل والموزون فالتعيين هناك مفيد لجواز العقد ; لأن بدون التعيين لا يجوز العقد إلا بذكر الوصف ، وربما يعجز عن إعلام الوصف فيسقط ذلك عن نفسه بالتعيين ، ولأن أعيانها مقصودة ، وهي تتفاوت في الربح فكان تعيينها مفيدا في الجملة أما ما ذكر من الفوائد فليس من مقاصد العقد

وإنما يطلب فائدة التعيين فيما هو المقصود بالعقد ، وفيما هو المقصود ; وهو ملك المال ، الدين أكمل من العين ; لأن بدون التعيين لا ينتقض العقد ، وبالتعيين ينتقض فإنه إذا استحق المعنى أو هلك بطل ملكه فيه ، وإذا ثبت دينا في الذمة لا يتصور هلاكه ، ولا بطلان الملك فيه بالاستحقاق ، والطريق الآخر ، وهو أن التعيين لو اعتبر في النقد يبطل به العقد ، وبالإجماع العقد صحيح فعرفنا أن التعيين لغو ، وبيان هذا من وجهين : أحدهما : وهو أن النقود لا تستحق في عقود المعاوضات إلا ثمنا ، والثمن ما يكون في الذمة كما قاله الفراء فإذا اعتبر ثبوت التعيين امتنع ثبوت المسمى في الذمة ثمنا ، وذلك ينافي موجب العقد فيكون مبطلا للعقد ، والثاني : هو أن حكم العقد في الثمن وجوبه [ ص: 17 ] ووجوده معا بالعقد بخلاف السلع فحكم العقد فيها وجوب الملك للمشتري فيما كان مملوكا للبائع ، ولهذا يشترط للعقد على السلع قيامها في ملك البائع إلا في موضع الرخصة ; وهو السلم ، فلا يشترط ذلك في السلم حتى يجوز الشراء بثمن ليس عنده من غير ضرورة ولا يتعين إلا في موضع الرخصة ; وهو السلم ، فهناك يتعين بالقبض دون التعيين حتى لو افترقا بعد تعيين رأس المال قبل القبض لا يجوز ولا ينجبر ذلك النقص بقبض ما يقابله في المجلس ، وهو المسلم فيه فعرفنا أن تعيين الدراهم هناك بالقبض باعتبار الضرورة ، وأن ذلك لا يثبت بالتعيين فكذلك في باب الصرف بعد التعيين من الجانبين يبطل بالافتراق قبل القبض ، وأظهر من هذا كله جواز الاستبدال برأس مال السلم قبل القبض بخلاف المبيع ، عينا كان أو دينا فكان التعيين في الثمن إبطالا لحكمه ، وجعلا لما هو الحكم شرطا ، وهذا تغيير محض فيكون مبطلا للعقد ، وبالإجماع العقد صحيح فعرفنا أن التعيين لغو ، وبهذا ظهر الجواب عن قوله : إن التعيين يصرف في محله

والفرق بين الثمن والسلعة ، واعتبار العقد بالقبض ساقط ; لأن القبض لا يرد إلا على العين فكان التعيين ركنا فيه ، والعقد لا يرد على الثمن إنما يجب الثمن بالعقد ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان دينا في الذمة ، وفي الوكالة عندنا لا يتعين حتى لو اشترى الوكيل بمثل تلك الدراهم في ذمته كان مشتريا للموكل ، ولو هلك بعد الشراء رجع على الموكل بمثلها أما قبل الشراء إذا هلكت فإنما بطلت الوكالة عندنا لأنها غير لازمة في نفسها ، والموكل لم يرض بكون الثمن في ذمته عند الشراء فلو بقيت الوكالة لاستوجب الوكيل بالشراء الدين في ذمة الموكل ، وهو لم يرض به ، وفي مسألة الشراء بالدراهم المغصوبة لا تتعين تلك الدراهم حتى لو أخذها المغصوب منه كان على الغاصب مثلها دينا ، ولكنه استعان في العقد والنقد بما هو حرام فيتمكن فيه الخبث فلهذا لا يحل له تناوله ، وفي مسألة الجامع لم تتعين الدراهم أيضا بدليل أنه لا يلزمه التصدق بها ، ولكنه لما أضاف النذر إليهما مع أن الدراهم لا تتعين في عقود المعاوضات صار تقدير كلامه كأنه قال : إن سميت هذه الدراهم ، وهذا الكر في بيع هذا العبد فهما صدقة ، وقد وجد ذلك ، وملك الكر بنفس العقد ، والشروط في الأثمان تعتبر بحسب الإمكان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث