الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وعن الحسن رضي الله عنه قال : { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة ، والجوار } وفي بعض الروايات بالجوار ، وهو دليل لنا على استحقاق الشفعة بسبب الجوار فأما معنى اللفظ الآخر { أن الجار كان منازعا ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالجوار وبالشفعة } ، فهو دليل على أن الجوار يستحق به الشفعة حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الخصومة فقضى به وبالشفعة ، وعن الحسن قال : إذا اقتسم القوم الأرضين ورفعوا سربا بينهم فهم شفعاء ، وبه نأخذ ، فنقول : الشركة في السرب تستحق به الشفعة ; لأنها شركة في حقوق المبيع فيثبت باعتباره حق الشفعة كالشركة في نفس المبيع ; لأن الحاجة إلى دفع الضرر البادي لسوء المجاورة يتحقق في الموضعين جميعا ، وعن شريح قال : الشفعة بالأبواب ، فأقرب الأبواب إلى الدار أحق بالشفعة ولسنا نأخذ بهذا ، وإنما الشفعة عندنا [ ص: 94 ] للجار الملاصق فأما الجار المحاذي ، فلا شفعة له بالمجاورة سواء كان أقرب بابا ، أو أبعد ، وإنما يعتبر قرب الباب في التقديم في الشفعة على ما روي { أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن لي جارين فإلى أيهما أبر قال : صلى الله عليه وسلم إلى أقربهما منك بابا . } ، وهذا ; لأن اطلاعه واطلاع أولاده على ما يدخل منزله من النعمة أكثر ، فهو بالهدية أحق ، وهذا تأويل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يقول في الهدايا : ابدءوا بجارنا اليهودي . } فأما في الشفعة ، فالمعتبر هو القرب واتصال أحد الملكين بالآخر ، وذلك في الجار الملاصق دون الجار المحاذي ، فإن بين الملكين طريقا نافذا ، وذكر عن علي وابن عباس رضي الله عنهما قالا : لا شفعة ، إلا لشريك لم يقاسم ، وهذا قول أهل المدينة ، وليس يأخذ به أهل الكوفة ، إلا أنه قد رجع إليه ابن أبي ليلى ، فإنه كان في الابتداء يقضي بالشفعة للجار حتى كتب إليه أبو العباس المهدي يأمره بأن لا يقضي بالشفعة ، إلا لشريك لم يقاسم فأخذ بذلك ; لأنه كان عاملا له ونحن أخذنا بقول عمر رضي الله عنه ، فقد أثبت الشفعة للجار حين قال : لبني عذرة أنتم شفعاؤنا في أموال اليهود في حديث طويل وأخذنا بالآثار المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الحديث متى صح عنه كان حجة على كل صحابي رضوان الله عليهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية