الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القصاص

، وإذا اقتص الرجل من الرجل في عضو ، أو شجه فمات المقتص منه من ذلك فديته على عاقلة المقتص له في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا شيء عليه ، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم كان عمر وعلي يقولان الحق قبله ولا شيء على أحد وكان ابن مسعود يقول يضمن دية النفس ويسقط من ذلك أرش العضو الذي هو حقه وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول عليه الدية وكان يروي في ذلك حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { من استقاد من إنسان فمات المستقاد منه وبرئ المستقيد ضمن المستقيد ديته } وجه قولهما أن هذا قطع بحق ، أو قطع مستحق ، فالسراية المتولدة منه لا تكون مضمونة كالإمام إذا قطع يد السارق فمات من ذلك وتأثيره أن السراية أثر الفعل فلا تنفصل عن أصل الفعل ولما اتصل أصل الفعل بالخفية فكذلك أثره ، ثم نفس من عليه القصاص صارت في حكم نفسه على معنى أن الفعل في محل حقه يكون حقا مباحا وفيما وراء ذلك يكون عدوانا ، وإن محل حقه صار مملوكا له في حكم الاستيفاء وما وراء ذلك غير مملوك له ، والفعل في محل حقه جزاء وفيما سوى ذلك عدوان .

فإذا تميز أحد المحلين عن الآخر حكما يجعل كالتمييز حسا ولا تنوب السراية من بدن إلى بدن فباعتبار هذا المعنى يجعل عقيب القطع كأنه تم البرء فلا تعتبر السراية بعد ذلك ولأن هذا فعل مأذون فيه ، فالسراية المتولدة منه لا تكون مضمونة كمن قال لغيره اقطع يدي ، أو قال : من عليه القصاص لمن له القصاص اقطع - يدي قصاصا فقطع وسرى فإنه لا يجب شيء ، وكذلك النزاع ، والفصاد ، والحجام ، والختان لا يضمن واحد منهم بالسراية شيئا لهذا المعنى ولأن هذا قطع لو اقتصر لم يكن مضمونا فلا تكون السراية مضمونة كقطع يد المرتد وهذا ; لأن الشرع أثبت له حق قطع اليد ، وليس في وسعه التحرز عن السراية فلا يجوز أن يكون مؤاخذا به ، والسراية إنما تكون لعجز الطبيعة عن دفع أثر الجراحة ، والبرء وبقوة الطبيعة عن دفع أثرها وشيء من ذلك ليس في وسع المستوفي لحقه .

يوضحه أن طرفه كان سالما بلا خطر فلا يتميز إلا بمثله ، وهو طرف يسلم له بالاستيفاء من غير خطر ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان أحدهما أن هذا قتل بغير حق فيكون مضمونا وبيانه [ ص: 148 ] أن القتل اسم لجرح يعقبه زهوق الروح وقد وجد ذلك . ولا شك أن القطع غير القتل ، فالقطع اسم لفعل يكون مؤثرا في إباحة جزء من الجملة ، والقتل اسم لفعل يكون مؤثرا في إزهاق الروح ، وإنما يتعين ذلك باعتبار المآل ; ولهذا يعتبر في الجنايات مآلها حتى إذا قطع يد امرأة ، أو يد رجل من نصف الساعد لم يكن عليه القصاص ، فإن سرى إلى النفس يجب القصاص ، فبهذا يتبين : أن عند السراية تبين أن أصل الفعل كان قتلا ، لا أن يقال : كان قطعا فصار قتلا ; لأن الفعل لا يتصور أن يكون على صفة ، ثم يصير على صفة أخرى إذ لا بقاء له ولا يتبين أنه كان قتلا في الأصل ، وهو بمنزلة تحريك الخشبة إن لم يصب شيئا كان تحريكا ، وإن ألقاها على ما انكسر بها كان كسرا .

وإن ألقاها على حيوان فمات بها كان قتلا وهاهنا لما انزهق الروح بهذا الفعل عرفنا أنه كان قتلا من الأصل ولا حق له في القتل فيكون هذا قتلا بغير حق بمنزلة ما لو حز رقبته ; ولهذا كان القياس أن يلزمه القصاص عند أبي حنيفة إلا أنه أوجب عليه الدية استحسانا بمنزلة الخطأ فإنه ما قصد قتله ، وإنما قصد استيفاء حقه بإقامة فعل هو حق فيكون بمنزلة ما لو رمى إلى صيد ، أو حربي فأصاب مسلما يوضحه أن الفعل من حيث الصورة حقه وباعتبار المآل كان غير حقه ، والحكم ، وإن كان يبنى على ما يظهر في الحال فنسبة ذلك الفعل لصورته وصفة الحقية في صورته تكون شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات وما ادعوا من تمييز أحد المحلين حكما كلام لا معنى له ; لأن هذا التمييز في حكم القطع الذي هو قصاص فقط فأما فيما وراء ذلك فنفس من عليه وأطرافه كشيء واحد ، وقد بينا أن هذا ليس باستيفاء لحقه ، وكذلك الفعل إنما يكون جزاء إذا كان قطعا لا إذا كان قتلا وطرف من عليه غير مملوك لمن له القصاص حكما حتى إذا قطع كان البدل لمن عليه لا لمن له القصاص ، ولكن في حق المتمكن من استيفاء حقه جعل كأنه له واستيفاء حقه يكون بفعل هو قطع لا بفعل هو قتل قوله التحرز عن السراية ليس في وسعه قلنا نعم ، ولكن العفو ، والترك في وسعه ، وهو مندوب إليه قال الله تعالى { وأن تعفوا أقرب للتقوى } .

وإنما يتقيد بالوسع ما يكون مستحقا عليه فأما ما يكون مباحا له كالمشي في الطريق ، والرمي إلى الصيد وتعزير الزوج زوجته فمقيد بشرط السلامة ، وإن لم يكن في وسعه إيجاد ذلك ; لأن ذلك غير مستحق عليه ، ثم عجزه لا يجوز أن يكون مسقطا حرمة صاحب النفس في نفسه وأكثر ما في الباب أن يتقابل حقان حق هذا في طرف يسلم له بلا خطر وحق الآخر في نفس محترمة متقومة فتترجح حرمة النفس على حرمة الطرف أو يعتبر الحرمتان فلحقه [ ص: 149 ] في الطرف يتمكن من الاستيفاء ولمراعاة حق الآخر في النفس يتقيد عليه بشرط السلامة ، وهو بمنزلة ما لو قلع سن إنسان فاستوفى حولا فلم ينبت فإنه يمكن من استيفاء القصاص ، فإن استوفى القصاص ، ثم نبت السن المقلوع أولا وجب عليه أرش سن القالع لهذا المعنى وهذا بخلاف قطع الإمام يد السارق ; لأن ذلك مستحق عليه إقامته فيتقيد بما في وسعه .

يوضحه أن المأمور به هناك قطع مطلق وفعله في الصورة قطع فيصير به ممتثلا للآمر ويخرج من عهدته فيصير كالمسلم إلى من له القصاص عامل لنفسه الحق ، فإذا مات من ذلك فإنما قتله من له الحق بعدما خرج الإمام من عهدة فعله فأما هنا فمن له القصاص عامل لنفسه فلا يخرج من عهدته قبل البرء ، وإنما أذن له في قطع مقيد بكونه قصاصا ، والقصاص عبارة عن المساواة ، فإذا تبين أنه لم يكن قصاصا كان مضمونا عليه ; ولهذا قلنا في قوله اقطع يدي فقطع فسرى لا يجب شيء ; لأنه أنابه مناب نفسه في قطع مطلق فكما أن به تحول فعله إلى الآمر وخرج القاطع من عهدته ، وكذلك النزاع ، والفصاد ، والحجام إنما أمروا بفعل مطلق وكما فرغوا من ذلك خرجوا من عهدتهم وصار مسلما إلى أمرهم بذلك فأما قول من عليه القصاص لمن له القصاص اقطع يدي قصاصا غير معتبر ; لأن من له القصاص عامل لنفسه بعد هذا القول وقبله كيف وقد قيد الأمر بقوله اقطع قصاصا ، فإذا سرى إلى النفس فهذا على الخلاف ، والحرف الآخر لأبي حنيفة أن هذه سراية تولدت من قطع مضمون فيكون مضمونا كما لو قطع يد إنسان ظلما وبيان ذلك أن القصاص محض حق العباد فيكون واجبا بطريق الجبران وما يستوفى جبرا يكون على المستوفي بما كان استوفى منه فإن معنى الجبران لا يتحقق إلا به كمن استهلك على إنسان مالا فاستوفى منه مثله كان المستوفى مضمونا على المستوفي وهذا مثله ، فإذا كان أصل الفعل مضمونا ، والسراية أثره فتكون مضمونة أيضا وعليه يخرج قطع يد السارق ; لأنه أقامه حدا فلا يكون مضمونا على الإمام .

( ألا ترى ) أن ذلك قضاء منه وفيما يكون مضمونا عليه لا يكون نافذ القضاء ، وكذلك إذا قال لغيره اقطع يدي فإنه غير مضمون عليه ; لأنه عامل للآمر لأمره في محل مملوك له ، وكذلك قطع يد المرتد وأما فعل الفصاد ، والنزاع فإنه مضمون ضمان عقد ، ولكن لا يتولد ضمان الجناية من ضمان العقد وقد قررنا هذا في مسألة الأجير المشترك ولو لم يمت المقتص منه ومات المقتص له قتل به المقتص منه ; لأنه لما مات تبين أن الواجب له القصاص في النفس ، ومن له القصاص في النفس إذا قطع يد من عليه القصاص لا يسقط به [ ص: 150 ] حقه في النفس ; فلهذا قتل به قصاصا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث