الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وعلى هذا الأصل قلنا يجري القصاص بين المسلم ، والذمي فيما دون النفس للمساواة بينهما في البدل وعند الشافعي يقطع طرف الذمي بطرف المسلم ولا يقطع طرف المسلم بطرف الذمي اعتبارا بالنفسية على قوله وعلى هذا الأصل لا يقطع يدان بيد واحدة عندنا للتفاوت في البدل ، والتفاوت في المقدار وتأثير التفاوت في المقدار فيما يعتبر فيه المماثلة أكثر من تأثير التفاوت في الصفة .

( ألا ترى ) أن في الأموال الربوية التفاوت في المقدار يمنع جواز العقد ، والتفاوت في الصفة لا يمنع ، ثم التفاوت في الصفة هاهنا يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص كالصحيحة بالشلاء ، فالتفاوت في المقدار أولى وعند الشافعي يقطع يدان بيد واحدة إذا وضعا السكين من جانب واحدة اعتبارا للقصاص في الطرف بالقصاص في النفس إلا أن في الأطراف إذا وضع أحدهما السكين من جانب ، والآخر من جانب وأمرا حتى التقى السكينان يجب القصاص ; لأن القتل إزهاق للحياة ، وهو لا يحتمل الوصف بالتجزي بحال فباختلاف محل الفعل لا يثبت التجزؤ ، بل كل واحد منهما قاتل على الكمال كما لو اتحد محل فعلهما فأما القطع فإنه جزء محسوس وذلك يتنوع نوعين نوع منه يتجزأ ، وهو عند اختلاف محل الفعل ; لأنه لو لم يوجد من كل واحد منهما إمرار السلاح إلا على بعض العضو ، ونوع منه لا يحتمل الوصف بالتجزي ، وهو ما اتحد محل الفعل ; لأن كل واحد منهما أمر السلاح على جميع العضو .

( ألا ترى ) أنه لا يمكن أن يشار إلى شيء من المحل فيقال القطع بفعل هذا دون فعل ذلك وعند اختلاف محل الفعل يقال هذا الجانب انقطع بفعل هذا ، والجانب الآخر انقطع بفعل الآخر ، فإذا كان غير متجزي كان قياس النفس يجعل كل واحد منهما قاطعا بجميع اليد حكما فيلزمه القصاص لاعتبار معنى الزجر كما يعتبر ذلك في النفس ، والدليل على الفرق أن عند تميز محل الفعل يجب على كل واحد منهما حكومة العدل وعند اتحاد محل الفعل يجب على كل واحد منهما عندكم [ ص: 138 ] نصف دية اليد في ماله ، وكذلك قلتم لو أن محرمين قتلا صيدا بضربة واحدة فإن على كل واحد منهما قيمته صحيحا ولو جرحه كل واحد منهما في محل على حدة ضمن كل واحد منهما قيمته مجروحا بجراحة صاحبه فبه يتضح هذا الفرق ، ولكنا نقول كل واحد منهما قاطع بعض اليد سواء اختلف محل الفعل ، أو اتحد ; لأن القطع هو الفعل بين متصلين ; ولهذا يطلق هذا الاسم على الخشب ، والنبات ، والجبال ونحن نتيقن أن ما انقطع بفعل أحدهما لم ينقطع بفعل الآخر ولا معتبر بإمرار كل واحد منهما السلاح على جميع العضو ; لأن إمرار السلاح من غير حصول القطع به وجوده كعدمه وما انقطع بقوة أحدهما لم ينقطع بقوة الآخر هذا شيء يعرفه كل عاقل فعرفنا أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد ولا يجوز أن يقطع جميع يده بقطعه بعض اليد ; لأن المساواة في الفعل معتبرة لا محالة ، والدليل عليه أن القطع في الجملة مما يحتمل الوصف بالتجزي وما يحتمل الوصف بالتجزي إذا اشترك فيه اثنان يضاف إلى كل واحد منهما بعضه ، وإن حصل على وجه غير متجزي كما لو اشتركا في تمزيق ثوب ، أو في استهلاك درة ، أو في جمل حبسه يضاف نصفه إلى كل واحد منهما ، وإن حصل على وجه غير متجزئ فأما النفس ، فالقياس فيها هكذا ، ولكن تركنا القياس بالأثر ، وهو حديث عمر ، والمخصوص من القياس بالأثر لا يلحق به إلا أن يكون في معناه من كل وجه ; لأن الفعل في النفس لا يحتمل الوصف بالتجزي بحال ، والفعل في الطرف يحتمل الوصف بالتجزي .

( ألا ترى ) أنه يتحقق أن يقطع بعض اليد ويترك ما بقي وفي النفس لا يتحقق إزهاق بعض الحياة دون البعض فلعدم احتمال التجزؤ هناك يجعل كاملا في حق كل واحد منهما ولاحتمال التجزؤ هاهنا يجعل كل واحد منهما قاطعا للبعض يوضح الفرق أن الفعل في النفس يكمل بسراية فعله فإنه لو جرح فسرى إلى النفس كان مباشرا قتله ، والفعل في الطرف لا يكمل بسراية الفعل ، وأنه لو قطع فسرى إلى ما بقي حتى سقط لا يلزمه القصاص وسراية فعله أقرب إلى فعله من فعل شريكه ، فإذا لم يجز تكميل فعله بسراية فعله في حكم القصاص ، فلأن لا يجوز تكميله بفعل شريكه أولى . ولا معنى لاعتبار الزجر . فإن معنى الزجر معتبر بعد وجود المماثلة بدليل أنه لا تقطع يد الحر بيد العبد ولا الصحيحة بالشلاء لانعدام المماثلة ، وإن وقعت الحاجة إلى الزجر ولأن المشتركين في أدنى ما يتعلق به القطع لا يلزمهما القطع كما لو اشترك رجلان في سرقة نصاب واحد لا يقطع واحد منهما ، وإن كان المسروق درة لا تحتمل التجزؤ وبه فارق النفس فإن المشتركين في أدنى [ ص: 139 ] ما يوجب القتل حقا لله تعالى يلزمهما القتل ، نحو ما إذا اشتركا في قتل رجل في قطع الطريق فيعتبر حق العبد بحق الله في الفصلين جميعا ، وإذا ثبت أنه لا يجب القصاص عليهما قلنا يجب على كل واحد منهما نصف دية اليد في ماله ; لأنا نتيقن أن كل واحد منهما قاطع للنصف ، والفعل عمد ، وكذلك إذا وضع كل واحد منهما السكين من جانب فإنا إن علمنا أن كل واحد منهما قطع نصف اليد يلزمه نصف الدية ، وإنما يصار إلى حكومة العدل إذا لم يعلم أن كل ما قطعه كل واحد منهما قدر النصف .

التالي السابق


الخدمات العلمية