الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحكام المرتدين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال : ( وما باعه أو اشتراه أو أعتقه أو وهبه أو رهنه أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته فهو موقوف ، فإن أسلم صحت عقوده ، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت ) وهذا عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : يجوز ما صنع في الوجهين . اعلم أن تصرفات المرتد على أقسام : نافذ بالاتفاق كالاستيلاد والطلاق ; لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية . وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة ; لأنه يعتمد الملة ولا ملة له . [ ص: 83 ] وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة ; لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة بين المسلم والمرتد ما لم يسلم . ومختلف في توقفه وهو ما عددناه . لهما أن الصحة تعتمد الأهلية والنفاذ يعتمد الملك ، ولا خفاء في وجود الأهلية لكونه مخاطبا ، وكذا الملك لقيامه قبل موته على ما قررناه من قبل ، ولهذا لو ولد له ولد بعد الردة لستة أشهر من امرأة مسلمة يرثه ولو مات ولده بعد الردة قبل الموت لا يرثه فتصح تصرفاته .

إلا أن عند أبي يوسف تصح كما تصح من الصحيح ; لأن الظاهر عوده إلى الإسلام ، إذ الشبهة تزاح فلا يقتل وصار كالمرتدة . [ ص: 84 ] وعند محمد تصح كما تصح من المريض ; لأن من انتحل إلى نحلة لا سيما معرضا عما نشأ عليه قلما يتركه فيفضي إلى القتل ظاهرا ، بخلاف المرتدة ; لأنها لا تقتل . ولأبي حنيفة أنه حربي مقهور تحت أيدينا على ما قررناه في توقف الملك وتوقف التصرفات بناء عليه ، وصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فيؤخذ ويقهر وتتوقف تصرفاته ; لتوقف حاله ، فكذا المرتد ، واستحقاقه القتل لبطلان سبب العصمة في الفصلين فأوجب خللا في الأهلية ، بخلاف الزاني وقاتل العمد ; لأن الاستحقاق في ذلك جزاء على الجناية . [ ص: 85 ] وبخلاف المرأة ; لأنها ليست حربية ; ولهذا لا تقتل .

التالي السابق


( قوله : وما باعه ) المرتد ( أو اشتراه أو أعتقه أو رهنه إلى آخره ) قال المصنف رحمه الله ( اعلم أن تصرفات المرتد على أقسام : نافذة بالاتفاق كالاستيلاد والطلاق ; لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك في الاستيلاد ، ولا إلى تمام الولاية ) في الطلاق ، فإن الاستيلاد يصح في جارية الابن وحق المرتد في ماله أقوى من الأب في جارية ابنه ، ولذا تصح دعوى المولى ولد أمة مكاتبه وحق المرتد في ماله أقوى من حق المولى في كسب المكاتب ; لأن المال موقوف على حكم ملكه ، حتى إذا أسلم كان له بلا سبب جديد ولا ملك للأب والمولى فيهما ، والطلاق يقع من العبد مع قصور ولايته فإنه لا ولاية له على نفسه . وأورد عليه أن بالردة تحققت الفرقة فكيف يقع الطلاق .

أجيب بأنه لا يلزم من وقوع البينونة امتناع الطلاق ، وقد سلف أن المبانة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة . وصرح في المحيط بأن الفرقة بالردة من قبيل الفرقة التي يلحقها الطلاق مع أن الردة لا تلزمها الفرقة كما لو ارتدا معا ، ومن هذا القسم تسليم الشفعة وقبول الهبة والحجر على عبده المأذون ; لأنها لا تبنى على حقيقة الملك ( وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة ; لأنها تعتمد الملة ولا ملة له ) ; لأنه غير [ ص: 83 ] مقر على ما انتقل إليه من دين سماوي أو غيره ، كالشرك فهو بمنزلة من لا ملة له ، وهذا حاصل ما فسر بهظهير الدين من أن المراد بالملة التي يدينون بملك النكاح التوارث والتناسل ، والمرتد لا يتحقق في نكاحه شيء من ذلك ; لأنه لا يقر حيا ومن هذا القسم إرثه ، وأما الإرث منه فقد تقدم أنه ثابت لورثته المسلمين ( وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة مع المسلم ; لأنها تعتمد المساواة ) بين الشريكين .

( ولا مساواة بين المسلم والمرتد ) فيتوقف عقد المفاوضة ، فإن أسلم نفذت ، وإن مات أو قتل أو قضي بلحاقه بطلت بالاتفاق لكن تصير عنانا عندهما ، وعند أبي حنيفة تبطل أصلا ; لأن في العنان وكالة ، وهي موقوفة عنده ( ومختلف في توقفه وهو ما عددناه ) من بيعه وشرائه وعتقه ورهنه ومنه الكتابة وقبض الديون والإجارة ، والوصية عنده هي موقوفة إن أسلم نفذت ، وإن مات أو قتل أو لحق بطلت ( لهما أن الصحة ) للمعاملات التي ذكرناها ( تعتمد الأهلية ) لها ( والنفاذ يعتمد الملك ولا خفاء في وجود الأهلية لكونه مخاطبا ) بالإيمان ، وكذا قتله فرع كونه مكلفا ( وكذا ملكه لقيامه قبل موته على ما قررناه ) يعني من قوله مكلف محتاج إلى آخره ، ومما يوضح كون ملك المرتد باقيا أنه لو ولد له ولد من امرأة مسلمة أو أمة مسلمة لستة أشهر فصاعدا ورثه ، فلو كان ملكه زائلا لم يرثه هذا الولد ، ولو أن ولده قبل الردة مات بعدها قبل موته ولحاقه لا يرثه .

وإذا كان ملكه قائما وأهليته نفذت تصرفاته عندهما ( إلا أن عند أبي يوسف تصح كما تصح من الصحيح ) من جميع المال ( لأن الظاهر عوده إلى الإسلام إذ الشبهة تزاح فلا يقتل ) فلا يكون كالمريض [ ص: 84 ] وعند محمد تصح من الثلث كما تصح من المريض ; لأن من انتحل نحلة لا سيما ) إذا كان بها ( معرضا عما نشأ عليه قلما يتركه ) فكان بذلك على شرف الهلاك كالمريض مرض الموت ، إلا أن أبا يوسف يقول بيده دفع القتل عنه والموت على ذلك بتجديد الإسلام ، بخلاف المريض ( ولأبي حنيفة رحمه الله أنه حربي مقهور تحت أيدينا على ما قررناه في توقف الملك ) أي عوده لما حررناه من أن المراد أنه يزول ملكه بردته ثم يعود بعوده إلى الإسلام من أنه حربي مقهور نفسه وماله تحت أيدينا ( وتوقف التصرفات بناء عليه ) فإن التصرفات الشرعية المذكورة توجب أملاكا لمن قامت به ، وزوال أملاك مثل البيع يوجب أن يملك المبيع وأن يخرج من ملكه الثمن والإجارة كذلك ، والفرض أن ليس مع الردة ملك فامتنع إفادة هذه التصرفات أحكامها في الحال ، فإن أسلم أفادته حين وقعت وهذا معنى التوقف ( فصار ) المرتد ( كالحربي يدخل دارنا بلا أمان فيؤخذ ) أي يؤسر ( فتتوقف تصرفاته لتوقف حاله ) حيث كان للإمام الخيار بين استرقاقه وقتله ، فإن قتل أو أسر لم تنفذ منه هذه أو أسلم لم يؤخذ له مال ( فكذا المرتد ) وقوله ( واستحقاق إلخ ) جواب عما يقال المرتد يجب أن يكون كالمقضي عليه بالقصاص والرجم ; لأنه مقهور تحت أيدينا للقتل عينا خصوصا فإنه لا يمكن له حالة غير القتل ، بخلاف المرتد فإن غيرها محتمل في حقه لاحتمال إسلامه ، ومع ذلك لا يزول ملك واحد منهما عن ماله وتصرفاتهما نافذة .

فأجاب بالفرق ( بأن استحقاق القتل في الفصلين ) أي الحربي والمرتد ( لبطلان العصمة ) بانتفاء سببها وهو الإسلام ( فأوجب خللا في الأهلية ، بخلاف الزاني والقاتل عمدا ; لأن استحقاق القتل بذلك السبب جزاء على الجناية ) مع بقاء سبب العصمة وهو الإسلام فيبقى مالكا حقيقة [ ص: 85 ] لبقاء عصمة ماله لقيام سببها ، ولهذا لو قتل القاتل غير ولي القصاص قتل به ، وإنما يقتل كل منهما بما هو من حقوق تلك العصمة ( بخلاف المرتدة ; لأنها ليست حربية ولهذا لا تقتل ) قال أبو اليسر : ما قالاه أحسن ; لأن المرتد لا يقبل الرق ، والقهر يكون حقيقيا لا حكميا ، والملك يبطل بالقهر الحكمي لا الحقيقي ، ولهذا المعنى لا يبطل ملك المقضي عليه بالرجم .

وحاصل مراده أن المنافي للملك الاسترقاق ليس غير لكنه ممنوع عند أبي حنيفة ، بل نقول : إنما أوجب الاسترقاق ذلك في الأصل للقهر الكائن بسبب حرابته . وهو موجود في المرتد فيثبت فيه ذلك بطريق أولى ; لأن الرق يتصور معه ملك النكاح ، بخلاف قهر المرتد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث