الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 307 ] فصل . كل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها للمسلم نفعه ذلك ، وحصل له الثواب ، كالدعاء ( ع ) والاستغفار ( ع ) وواجب تدخله النيابة ( ع ) وصدقة التطوع ( ع ) وكذا العتق ، ذكره القاضي وأصحابه أصلا ، وذكره أبو المعالي وشيخنا ( ع ) وصاحب المحرر ( و ) وكذا حج التطوع ( م ر ) وفي المجرد : من حج نفلا عن غيره وقع عمن حج ، لعدم إذنه ، وكذا القراءة والصلاة والصيام ، نقل الكحال في الرجل يعمل شيئا من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك ويجعل نصفه لأبيه أو أمه : أرجو ، وقال : الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاة أو غيره ( م ش هـ ر ) وفرقوا بأن صدقة التطوع تصح النيابة فيها ، فلهذا لم يقع ثوابه لغيره ، ولو تصدق عن نفسه تطوعا ثم أهدى ثوابه لم يصح ، وأجاب القاضي وغيره بأن عتقه عن الميت بلا وصية يقع عن المعتق ، بدليل الولاء له ولعصبته ، ومع هذا فقد صرف الثواب إلى الميت .

وقال صاحب المحرر في العتق : قد صح إهداؤه وإن وقع عن فاعله ، فإن أراد القاضي ما قاله صاحب المحرر من نقل ثواب وقع لفاعله لم يسلمه المخالف ، وهو محل النزاع ، وإن أراد أن الولاء للمعتق والثواب للمعتق عنه بمجرد العتق فليس بجواب ، والثاني ظاهر ما ذكروه من الأثر ، فكان الحسن [ ص: 308 ] والحسين يعتقان عن علي رضي الله عنهم بعد موته ، رواه أبو حفص وأعتقت عائشة عن أخيها عبد الرحمن بعد موته ، ذكره ابن المنذر ، ولم ينقل غير العتق ، ونصوص أحمد على هذا ، كما يأتي في الفرائض ، مع أن صاحب المحرر وغيره جزموا هناك بأن الثواب للمعتق ، وكان وجهه أن يتبع الولاء ، ولم يذكر في التبصرة خلافه إلا احتمالا ، قال : لأن القرب يصل ثوابها إلى الميت ، ثم الصوم والصلاة والزكاة والحج والأذان ، لا يصح إهداؤه ، مع دخول النيابة في بعضها : قال القاضي : ولأن الثواب تبع للفعل ، فإذا جاز أن يقع المتبوع لغيره جاز أن يقع التبع ، ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله ; لأنه يظنه ، ثقة بالوعد وحسنا للظن ، فلا يستعمل الشك ، نقل المروذي : إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي وثلاث مرات ( قل هو الله أحد ) ثم قولوا : اللهم إن فضله لأهل المقابر ، يعني ثوابه .

وقال القاضي : لا بد من قوله : اللهم إن كنت أثبتني على هذا فقد جعلت ثوابه أو ما شاء منه لفلان ; لأنه قد يتخلف ، فلا يتحكم على الله .

وقال صاحب المحرر : من سأل الثواب ثم أهداه كقوله : اللهم أثبني على عملي هذا أحسن الثواب واجعله لفلان كان أحسن ، ولا يضر كونه مجهولا ; لأن الله يعلمه ، كمن وكل رجلا في أن يهدي شيئا من ماله يعرفه الوكيل فقط صح ، ذكره القاضي ، وقيل : يعتبر أن ينويه بذلك وقت فعل القربة ، وفي تبصرة الحلواني : قبله .

وفي مفردات ابن عقيل : يشترط أن تتقدم نية ذلك أو تقارنه ، فإن أرادوا أنه يشترط للإهداء ونقل الثواب أن ينوي الميت به ابتداء كما فهمه بعض [ ص: 309 ] المتأخرين وبعده فهو مع مخالفته لعموم كلام الإمام والأصحاب لا وجه له في أثر ولا نظر ، وإن أرادوا أنه يصح أن تقع القربة عن الميت ابتداء بالنية له فهذا متجه ، ولهذا قال ابن الجوزي : ثواب القرآن يصل إلى الميت إذا نواه قبل الفعل ، ولم يعتبر إلا هذا ، فظاهره عدمها ، وهو ظاهر ما سبق في التبصرة .

وفي الفنون عن حنبلي : يشترط تقديم النية ; لأن ما تدخله النيابة من الأعمال لا يحصل للمستنيب إلا بالنية من النائب قبل الفراغ .

وفي الفصول كما سبق في المجرد : أن من أحرم عن غيره حي أو ميت لم ينعقد عن الغير ، فلو ناب عن حي في حج فاعتمر وقع عن الحاج ، ولا نفقة له ، ولو كان ميتا وقع عن الميت ولا يحتاج إلى إذن ، لقدرة الحي على التكسب ، والميت بخلافه ، ويصير كأنه مهد للميت ثوابها ، فقد جعل نية الميت بالقربة ابتداء يقع عنه كمهد إليه ثوابها ، ولعل هذا ظاهر كلام الأصحاب لقياسهم على الصدقة ، واحتج بعضهم بقوله عليه السلام { اقرءوا يس على موتاكم } وبأن الميت أولى من المحتضر ، وبأنه أذن في الحج ولم يستفصل ، { وبقوله لعمرو بن العاص ولو أقر أبوك بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه نفعه ذلك } رواه الإمام أحمد ، ويأتي كلام صاحب المحرر في أول الفصل بعده ، وسبق كلام القاضي : الثواب يقع .

وقال أيضا : لا يصح أن يفعله عن غيره ، وإنما يقع ثوابه [ ص: 310 ] عن غيره ، وهذا ظاهر كلام أحمد ، ثم ذكر رواية المروذي السابقة ولم يستدل له ، كذا قال ، قال : وعلى هذا يقول : لو صلى فرضا وأهدى ثوابه صحت الهدية ، ولا يمتنع أن يعرى عمله عن ثواب ، كالصلاة في مكان غصب ، ثم له مثل أجره لخبر عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، مرفوعا ، رواه حرب وقال شيخنا : أو أكثر ، والأشهر خلاف قول القاضي في ثواب الفرض ، وبعده بعضهم ، ويستحب إهداء القرب ، قيل للقاضي : فقد قال أحمد : ما يعجبني أن يخرج من الصف الأول ويقدم أباه وهو يقدر أن يبره بغير هذا ، فقال : وقد نقل ما يدل على نفي الكراهة ، فنقل أبو بكر بن حماد فيمن يأمره أبوه بتأخير ، الصلاة ليصلي به ، قال : يؤخرها ، والوجه فيه أنه ندب إلى طاعة أبيه في ترك صوم النفل وصلاة النفل ، وقد نقل هارون : لا يعجبني أن يصوم إذا نهاه ، كذا قال : ندب .

وقال أبو المعالي : فإن قيل : الإيثار بالفضائل والدين غير جائز عندكم ، ثم ذكر نحو كلام القاضي ، وهذا منهما تسوية بين نقل الثواب بعد ثبوته له وبين نقل سبب الثواب قبل فعله ، وسبقت المسألة في آخر الجمعة .

وقال في كتاب الهدي ، في غزوة الطائف أي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليحرز ثوابها وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها ؟ قال في الفنون : يستحب إهداؤها حتى للنبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 311 ] وكذا قال صاحب المحرر .

وقال شيخنا : لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين ، بل كانوا يدعون لهم ، فلا ينبغي الخروج عنهم ، ولهذا لم يره شيخنا لمن له كأجر العامل ، كالنبي صلى الله عليه وسلم معلم الخير ، بخلاف الوالد لأن له أجرا لا كأجر الولد ; ولأن العامل يثاب على إهدائه ، فيكون له أيضا مثله ، فإن جاز إهداؤه فهلم جرا ، ويتسلسل ثواب العمل الواحد ، وإن لم يجز فما الفرق بين عمل وعمل ؟ ، وإن قيل : يحصل ثوابه مرتين للمهدى إليه ، ولا يبقى للعامل ثواب ، فلم يشرع الله لأحد أن ينفع غيره في الآخرة ، ولا منفعة له في الدارين ، فيتضرر ، ولا يلزم دعاؤه له ونحوه ; لأنه مكافأة له كمكافأته لغيره ينتفع به المدعو له ، وللعامل أجر المكافأة ، وللمدعو له مثله ، فلم يتضرر ولم يتسلسل ، ولا يقصد أجره إلا من الله ، وذكر أيضا أن أقدم من بلغه أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم علي بن الموفق ، أحد الشيوخ المشهورين من طبقة أحمد وشيوخ الجنيد .

وقال الحاكم في تاريخه : محمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو العباس السراج محدث عصره ، وهو إمام الحديث بعد البخاري ببخارى : سمعت إبراهيم بن محمد بن يحيى ، سمعت السراج يقول : ختمت القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ألف ختمة ، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية ، [ ص: 312 ] والحي كالميت في نفعه بالدعاء ونحوه ، فكذا القراءة ونحوها ( و ) للحنفية ، قال القاضي : لا تعرف رواية بالفرق ، بل ظاهر رواية الكحال يعني السابقة ، قال : ويحتمل الفرق ; لأن العجز صح في الحج والصوم ، وانتفاعه بالدعاء بإجابته وقبول الشفاعة في المدعو ، وهو أمر آخر غير الثواب على نفس الدعاء ، وأطلق بعضهم وجهين ، وجزم به الشيخ وغيره في حج النفل عن الحي ، ولم يستدل له .

وقال صاحب المحرر : والأول أصح لأن نفع الإجابة وقبول الشفاعة في المدعو إنما حصل حيث قصده الداعي للمدعو له ، وأراده متقربا بسؤاله وخضوعه وتضرعه ، فكذلك ثواب سائر القرب الذي قصده بفعلها ، وصح عنه عليه السلام { أنه ضحى بكبشين } ، الحديث ، قال : وهو يدل على أن أمته أمواتهم وأحياءهم قد نالهم النفع والأجر بتضحيته ، وإلا كان ذلك عبثا ، فظاهر قوله هذا تجوز الصدقة وإهداء الثواب عن الأمة إلى يوم القيامة ، ولهذا احتج من احتج على أن الأضحية لا تجب ، واقتصر في هداية الحنفية على الاستدلال بالخبر المذكور ، وسبق الجلوس للتعزية وصنعة الطعام ، وهو صادق على ما قاله شيخنا : جمع أهل المصيبة الناس على طعام ليقرءوا ويهدوا له ليس معروفا في السلف ، والصدقة أولى منه ، لا سيما على من ينتفع به في [ ص: 313 ] مصلحة عامة ، كالقراء ونحوهم ، فإنه قد كرهه طوائف من العلماء من غير وجه ، وقرب دفنه منهي عنه ، عده السلف من النياحة ، وذكر خبر جرير السابق ، وهذا في المحتسب ، فكيف من يقرأ بالكراء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث