الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرض السلطان النفقة للمرأة على زوجها

في فرض السلطان النفقة للمرأة على زوجها قلت : أرأيت المرأة إذا خاصمت زوجها في النفقة ، كم يفرض لها ، نفقة سنة أو نفقة شهر بشهر ؟

قال : لم أسمع من مالك فيه شيئا ، ولكني أرى ذلك على اجتهاد الوالي في عسر الرجل ويسره ، وليس كل الناس في ذلك سواء .

قلت : أرأيت النفقة على الموسر وعلى المعسر كيف هي في قول مالك ؟

قال : أرى أن يفرض لها على الرجل على قدر يساره وقدر شأن المرأة وعلى المعسر أيضا ينظر السلطان في ذلك على قدر حاله وعلى قدر حالها قلت : فإن كان لا يقدر على نفقتها ؟

قال : يتلوم له السلطان فإن قدر على نفقتها وإلا فرق بينهما ، قال مالك : والناس في هذا مختلفون ، منهم من يطمع له بقوة ومنهم من لا يطمع له بقوة .

قلت : أرأيت إن فرق السلطان بينهما ثم أيسر في العدة ؟

قال مالك : هو أملك برجعتها إن أيسر في العدة وإن هو لم ييسر في العدة فلا رجعة له ، ورجعته باطلة إذا هو لم ييسر في العدة .

قلت : هل يؤخذ من الرجل كفيل بنفقة المرأة في قول مالك ؟

قال : لا يؤخذ منه كفيل ; لأن مالكا قال في رجل طلق امرأته وأراد الخروج إلى سفر ، فقالت أنا أخاف الحمل ، فأقم لي حميلا بنفقتي إن كنت حاملا قال مالك : لا يكون على الرجل أن يعطيها حميلا وإنما لها إن كان الحمل ظاهرا أن تأخذه بالنفقة وإن كان الحمل غير ظاهر ، فلا حميل لها عليه ، فإن خرج زوجها وظهر حملها بعده فأنفقت على نفسها ، فلها أن تطلبه بالنفقة إذا قدم إن كان موسرا في حال حملها ، وإنما ينظر إلى يساره في حال ما كان تجب عليه النفقة وإن كان غير غائب فأنفقت على نفسها ولم تطلبه بذلك حتى وضعت حملها فلها أن تتبعه بما أنفقت .

قلت : أرأيت إن أراد الزوج سفرا فطلبته امرأته بالنفقة ، كم يفرض لها أشهرا أو [ ص: 181 ] أكثر من ذلك ؟

قال : لم أسمع من مالك فيه شيئا ، ولكني أرى أن ينظر إلى سفره الذي يريد فيفرض لها على قدر ذلك .

قلت : ويؤخذ منه في هذا حميل أو لا ؟

قال : يدفع النفقة إليها ويأتيها بحميل يجريها لها .

قلت : فإن كان الزوج حاضرا ففرض عليه السلطان نفقتها شهرا فشهرا فأرادت منه حميلا ؟

قال : لا يكون لها أن تأخذ منه حميلا .

قلت : لم ؟

قال : لأنه حاضر يقول ما وجب لك علي فأنا أعطيك ولا أعطيك حميلا .

قلت : وهذا قول مالك ؟

قال : هذا رأيي .

قلت : أرأيت امرأة رجل هو معها مقيم فأقامت معه سنين وقد بنى بها ، فادعت أنه لم ينفق عليها ، وقال الزوج قد أنفقت عليها ؟

قال : قال مالك : القول قول الزوج ويحلف .

قلت : عديما كان الزوج أو موسرا ؟

قال : نعم ، إذا كان مقيما معها وكان موسرا .

قلت : أرأيت إن كان غائبا فأقام سنين ، ثم قدم فقال قد كنت أبعث إليها بالنفقة وأجريها عليها ؟

قال : القول قول الزوج إلا أن تكون المرأة رفعت ذلك إلى السلطان ، فاستعدت في مغيبه ، فإن ذلك يلزم الزوج من يوم رفعت ولا يبرئه إلا أن يأتي بمخرج من ذلك ، وإن قال : بعثت إليك لم ينفعه ذلك ، وهذا قول مالك .

قلت : أرأيت إن كانت موسرة وكان الزوج موسرا أو معسرا فكانت تنفق من مالها على نفسها وعلى زوجها ، ثم جاءت تطلب النفقة ؟

قال : لا شيء لها في رأيي فيما أنفقت على نفسها إذا كان الزوج في حال ما أنفقت معسرا ، وإن كان الزوج موسرا فذلك دين عليه ، وأما ما أنفقت على زوجها فذلك دين عليه موسرا كان أو معسرا إلا أن يرى أنه كان منها لزوجها على وجه الصلة .

قلت : وكذلك لو أن أجنبيا أنفق علي سنة ثم طلب ما أنفق أيكون ذلك له ؟

قال : نعم ، في رأيي إلا أن يكون رجلا يعرف أنه إنما أراد به ناحية الصلة والضيافة فلا يكون ذلك له .

قلت : فإن كان إنما كان ينفق الخرفان ولحم الدجاج والحمام فكنت آكله وأنا لو كنت أنفق من مالي لم أنفق هذا ؟

قال : لا ينظر في هذا الأمر إلى الإسراف ، ويرجع عليه بغير السرف إلا أن يكون الذي أنفق عليه صغيرا فجعل ينفق عليه ، فإنه لا يرجع عليه بشيء إلا أن يكون له مال يوم كان ينفق عليه ، فإنه يرجع عليه في ماله ذلك .

قلت : أرأيت فإن تلف المال وكبر الصبي فأفاد مالا ؟

قال : لا يكون له أن يرجع عليه في شيء في رأيي ; لأن مالكا سئل عن رجل هلك وترك صبيا صغيرا وأوصى إلى رجل فأخذ ماله وأنفق عليه سنة أو سنتين ، ثم أتى على الميت دين استغرق ماله كله أفترى على الوصي شيئا فيما أنفق على الصبي وهو لا يعلم بالدين أو هل يكون على الصبي إن كبر ؟

قال مالك : في الصبي لا شيء عليه وإن كبر وأفاد مالا فيما أنفق عليه [ ص: 182 ] لأنه لم يل ذلك . وقال : في الوصي كذلك لا ضمان عليه فهذا مثله عندي .

قال سحنون : وكان المخزومي يقول ذلك على الصبي دين ; لأن صاحب الدين لم ينفقه على اليتيم فيرى أن ذلك منه حسبة .

قلت : أرأيت إن أنفقت المرأة وزوجها غائب وهو معسر في حال ما أنفقته ، أيكون ذلك دينا لها أم لا في قول مالك ؟

قال : لا يكون ذلك دينا عليه كذلك قال مالك .

قلت : ولم ؟

قال : لأن الرجل إذا كان معسرا لا يقدر على النفقة فليس لها عليه النفقة إنما لها أن تقيم معه أو يطلقها ، كذلك الحكم فيها .

قلت : أرأيت إن أنفقت وهو غائب موسر أتضرب بنفقتها مع الغرماء ؟

قال : نعم .

قلت : أرأيت إن أنفقت على نفسها وعلى ولدها والزوج غائب ثم طلبت النفقة ؟

قال : ذلك لها إن كان موسرا يوم أنفقت على نفسها وعلى ولدها إن كانوا صغارا أو جواري أبكارا حضن أو لم يحضن وهذا رأيي .

قلت : فهل تضرب بما أنفقت على الولد مع الغرماء ؟

قال : لا .

قلت : أرأيت الرجل إذا قوي على نفقة امرأته ولم يقو على نفقة ولدها منه إلا صاغرا أيكون هذا عاجزا عن نفقة امرأته ويفرق بينها وبينه في قول مالك أم لا ؟

قال : لا يكون عاجزا إذا قوي على نفقة امرأته وإن لم يقو على نفقة ولدها منه ; لأن مالكا قال في الوالد إنه إنما تلزمه النفقة على الولد إذا كان الأب يقدر على غنى أو سعة ، وإلا فهو من فقراء المسلمين لا يلزمه من ذلك شيء ، وأما المرأة فليست كذلك إن لم يجد ما ينفق فرق بينهما ، وهو إذا وجد نفقتها ولم يجد نفقة ولده لم يلزمه نفقتهم كانت المرأة أمهم أو لم تكن أمهم .

قلت : أرأيت إن كان لي على امرأتي دين وهي معسرة ، فخاصمتني في نفقتها فقضي علي بنفقتها ، قلت : احسبوا لي نفقتها في ديني الذي لي عليها ؟

قال : ما سمعت في هذا شيئا وأرى إن كانت عديمة أن ينفق عليها ويتبعها بدينه ولا يحسب نفقتها من الدين لأنها لا تقدر على شيء .

قلت : أرأيت إن كانت غنية ؟

قال : إن كانت غنية قيل للزوج خذ دينك وادفع إليها نفقتها ، وإن شئت فحاصصها بنفقتها .

قلت : أرأيت إن اختلف الزوج والمرأة في فريضة القاضي في نفقتها وقد مات القاضي أو عزل ، فقال الزوج فرض لك كل شهر عشرة دراهم ، وقالت المرأة بل فرض لي كل شهر عشرين درهما ؟

قال : القول فيه قول الزوج إن كان يشبه نفقة مثلها ، وإلا كان القول قولها إذا كان يشبه نفقة مثلها ، فإن كان لا يشبه نفقة مثلها لم يقبل قول واحد منهما وأعطيت نفقة مثلها ، فيما تستقبل يفرض لها القاضي نفقة مثلها وما سمعت من مالك في هذا شيئا . [ ص: 183 ]

قلت : أرأيت إن دفع الزوج إلى المرأة ثوبا كساها إياه ، فقالت المرأة أهديته إلي ، وقال الزوج بل هو مما فرض القاضي علي ؟

قال : القول قول الزوج في رأيي إلا أن يكون الثوب من الثياب التي يفرضها القاضي لمثلها فيكون القول قولها .

قلت : أرأيت إن فرض لها القاضي نفقة شهر بشهر ، فكانت تأخذ نفقة الشهر فتتلفه قبل الشهر ، أيكون لها على الزوج شيء أم لا ؟

قال : لا شيء لها على الزوج ; لأن مالكا قال لي : كل من دفعت إليه نفقته كانت لازمة له على غيره مثل الابن يدفع عنه والده نفقته إلى أمه ، وقد كان طلقها أو المرأة يقيم لها نفقتها فيدفع إليها نفقة سنة فيهلك الابن أو المرأة قبل ذلك ، قال : قال مالك : يحاسب الأم أو من أخذ تلك النفقة بما أنفق من الأشهر ويرد فضل ذلك وذلك ضامن على من قبضه ، فهذا يدلك على أنها إن أتلفته أو ضاع منها فلا شيء عليه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث