الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      ما جاء في رضاع الكبير

                                                                                                                                                                                      قلت : هل يرى مالك رضاع الكبير يحرم شيئا أم لا ؟ قال : لا .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت الصبي إذا فصل ، فأرضعته امرأة بلبنها بعدما فصل ، أيكون هذا رضاعا أم لا في قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : الرضاع حولان وشهر أو شهران بعد ذلك .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن لم تفصله أمه وأرضعته ثلاث سنين ، فأرضعته امرأة بعد ثلاث سنين والأم ترضعه لم تفصله بعد ؟

                                                                                                                                                                                      قال مالك : لا يكون ذلك رضاعا ولا يلتفت في هذا إلى رضاع أمه ، إنما ينظر في هذا إلى الحولين وشهر أو شهرين بعدهما ، قال ابن القاسم : ولو أن أمه أرضعته ثلاث سنين أو أربع سنين أكان يكون ما كان من رضاع غيرها هذا الصبي بعد ثلاث سنين أو أربع سنين رضاعا ليس هذا بشيء ؟

                                                                                                                                                                                      قال : ولكن لو أرضعته امرأة في الحولين والشهر والشهرين لحرم بذلك كما لو أرضعته أمه .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن فصلته قبل الحولين أرضعته سنة ثم فصلته ، فأرضعته امرأة أجنبية قبل تمام الحولين وهو فطيم ، أيكون ذلك رضاعا أم لا ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا يكون ذلك رضاعا إذا فصلته قبل الحولين وانقطع رضاعه واستغنى عن الرضاع ، فلا يكون ما أرضع بعد ذلك رضاعا .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إذا فصلته أمه بعد تمام الحولين فأرضعته امرأة بعد الفصال بيوم أو يومين ، أيكون ذلك رضاعا أم لا في قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال ابن القاسم : ما كان من رضاع بعد الحولين باليوم واليومين وما أشبهه مما لم يستغن فيه بالطعام عن الرضاع حتى جاءت امرأة فأرضعته ، فأراه رضاعا ; لأن مالكا قد رأى الشهر والشهرين بعد الحولين رضاعا إلا أن يكون قد أقام بعد الحولين أياما كثيرة مفطوما واستغنى عن اللبن وعاش بالطعام والشراب ، فأخذته امرأة فأرضعته فلا يكون هذا رضاعا ; لأن عيشه قد تحول عن اللبن وصار عيشه في الطعام .

                                                                                                                                                                                      قلت : أليس قد قال مالك : ما كان بعد الحولين بشهر أو شهرين فهو رضاع ؟

                                                                                                                                                                                      قال : إنما قال ذلك في الصبي إذا وصل رضاعه بعد الحولين بالشهر والشهرين ولم يفصل ، قال ابن القاسم : وأرى إذا فصل اليوم واليومين ثم أعيد إلى اللبن فهو رضاع .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن لم يعد إلى اللبن ، ولكن امرأة أتت فأرضعته مصة أو مصتين وهو [ ص: 298 ] عند أمه على فصاله لم تعده إلى اللبن ؟

                                                                                                                                                                                      قال مالك : المصة والمصتان تحرم ; لأن الصبي لم يشغل عن عيش اللبن بعد وأنت تعلم أنه لو أعيد إلى اللبن كان له قوة في غذائه وعيش له ، فكل صبي كان بهذه المنزلة إذا شرب اللبن كان ذلك عيشا له في الحولين وقرب الحولين فهو رضاع ، وإنما الذي قال مالك : الشهر والشهرين ذلك إذا لم ينقطع الرضاع عنه

                                                                                                                                                                                      ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا رضاع بعد الفطام } وأخبرني رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأم سلمة وابن المسيب وعروة وربيعة مثله . ابن وهب وأخبرني مالك وغي ره أن رجلا أتى أبا موسى الأشعري فقال إني مصصت من امرأتي من ثديها فذهب في بطني ، فقال أبو موسى لا أراها إلا وقد حرمت عليك ، فقال له ابن مسعود : انظر ما تفتي به الرجل ، فقال أبو موسى ما تقول أنت ؟ فقال ابن مسعود : لا رضاع إلا ما كان في الحولين ، فقال أبو موسى لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم ، قال ابن وهب وقال غير مالك أن ابن مسعود قال له إنما أنت رجل مداوى لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان في الحولين ، ما أنبت اللحم والعظم وأخبرني مالك عن ابن دينار قال : جاء رجل إلى ابن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير ، فقال ابن عمر جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال كانت لي جارية وكنت أطؤها فعمدت امرأتي فأرضعتها ، فدخلت عليها فقالت لي دونك ، فقد والله أرضعتها ، قال : فقال عمر : أرجعها وأت جاريتك فإنما الرضاع رضاع الصغير .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية