الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى

3303 4 - حدثنا موسى، حدثنا عبد الواحد، حدثنا كليب، حدثتني ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأظنها زينب قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدباء، والحنتم، والمقير، والمزفت، وقلت لها: أخبريني، النبي صلى الله عليه وسلم ممن كان، من مضر كان؟ قالت: فممن كان إلا من مضر، كان من ولد النضر بن كنانة.

التالي السابق


هذا طريق آخر في الحديث المذكور، وموسى بن إسماعيل التبوذكي... قوله: " وأظنها زينب "، الظاهر أن قائله موسى؛ لأن قيس بن حفص في الرواية السابقة قد جزم بأنها زينب، وشيخهما واحد، (فإن قلت): قد أخرج الإسماعيلي هذا الحديث من رواية حبان بن هلال عن عبد الواحد؟ قال: ولا أعلمها إلا زينب، قلت: فعلى هذا الشك فيه من شيخه عبد الواحد كان يجزم بها تارة، ويشك فيها أخرى. قوله: قالت: نهى النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكرت النهي عن هذه الأشياء هنا؛ لأنها روت الحديث على هذه الصورة... قوله: " الدباء "، بضم الدال، وتشديد الباء الموحدة، وبالمد القرع، واحدها دباة. والحنتم، بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح التاء المثناة من فوق، وفي آخره ميم، وهي جرار مدهونة خضر كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، واحدها حنتمة، والمقير: المطلي بالقار، وهو الزفت، وعن أبي ذر صوابه النقير بالنون، وكسر القاف. قوله: " أخبريني " خطاب من كليب لزينب... قوله: " النبي "، مبتدأ، وخبره هو قوله: ممن كان، يعني: من أي قبيلة... قوله: " من مضر "، كأن همزة الاستفهام فيه مقدرة، أي: أمن مضر كان. ومضر، بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، هو ابن نزار بن معد بن عدنان، واشتقاق مضر من المضيرة، وهو شيء يصنع من اللبن سمي به لبياض لونه، والعرب تسمي الأبيض أحمر، فلذلك سميت مضر الحمراء. وقال ابن سيده: سمي مضر؛ لأنه كان مولعا بشرب اللبن الماضر، أي: الحامض، وهو أول من سن للعرب الحداء للإبل؛ لأنه كان حسن الصوت، فسقط يوما من بعيره فوثبت يده فجعل يقول: وايداه وايداه، فأعنقت له الإبل، وأمه سودة بنت عك، وقيل: حبيبة بنت عك، وكان على دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام. وقال ابن حبيب: حدثنا أبو جعفر، عن أبي جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد، وربيعة، ومضر، وقيس غيلان، وتميم، وأسد، وضبة على الإسلام على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلا تذكروهم إلا كما يذكر به المسلمون، وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تسبوا مضر، فإنه كان مسلما على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعند الزبير بن بكار من حديث ميمون بن مهران، عن ابن عباس يرفعه: لا تسبوا مضر، ولا ربيعة؛ فإنهما كانا مسلمين. وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا اختلف الناس فالحق مع مضر، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل اختار هذا الحي من مضر... قوله: " فممن كان إلا من مضر "، كلمة " إلا " استثناء منقطع، أي: لكن كان من مضر أو الاستثناء من محذوف، أي: لم يكن إلا من مضر، والهمزة محذوفة من كان، وممن كان كلمة مستقلة أو الاستفهام للإنكار... قوله: " كان من ولد النضر ". النضر، بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة ابن كنانة بكسر الكاف ابن خزيمة بن مدركة بلفظ اسم الفاعل ابن إلياس بن مضر، وهذا بيان له؛ لأن مضر قبائل، وهذا بطن منه، والنضر اسمه قيس، سمي بالنضر لوضاءته، وجماله، وإشراق وجهه، والنضر هو الذهب الأحمر، وهو النضار، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة، وكنية النضر أبو يخلد كني بابنه يخلد.

وعلم من هذا أن معرفة الأنساب لا يستغنى عنها، وقد جاء الأمر بتعلمها، وهو ما رواه أبو نعيم من حديث العلاء بن خارجة المدني ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ". وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وصححه. وقال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف، وكفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق. وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه مثله. وقال صلى الله عليه وسلم: " من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله ". وقد روي من الوجوه الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على معرفته بأنساب العرب. وروى الترمذي مصححا من حديث عبد الله بن عمرو : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده اليمنى [ ص: 69 ] كتاب، وفي اليسرى كتاب، فقال: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم.

وقال أبو محمد الرشاطي: الحض على معرفة الأنساب ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وبالغ ابن حزم في ذلك. وقال: لا ينكر حق معرفة النسب إلا جاهل أو معاند. وفرض أن يعلم المرء أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله القريشي الهاشمي، الذي كان بمكة، ورحل منها إلى المدينة، فمن يشك فيه: أهو قريشي أو يماني أو تميمي أو أعجمي فهو كافر غير عارف بدينه إلا أن يعذر بشدة ظلمة الجهل، فيلزمه أن يتعلم ذلك، ويلزم من بحضرته تعليمه، ومن الفرض في علم النسب أن يعرف المرء أن الخلافة لا تجوز إلا من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأن يعرف كل من يلقاه بنسب في رحم محرمة ليجتنب ما حرم عليه، وأن يعرف كل من يتصل به برحم يوجب ميراثا أو صلة أو نفقة أو عقدا أو حكما، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضا واجبا عليه لازما له من دينه، وأما الذي يكون معرفته من النسب فضلا في الجميع وفرضا على الكفاية، فمعرفة أسماء أمهات المؤمنين وأكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين حبهم فرض، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: آية الإيمان حب الأنصار، وآية المنافق بغض الأنصار .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث