الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3256 97 - حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى، عن نافع، قال عبد الله: ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما بين ظهري الناس المسيح الدجال فقال: إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من أدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح بن مريم. ثم رأيت رجلا وراءه جعدا قططا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة على ما ذكرنا.

                                                                                                                                                                                  وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، واسمه أنس بن عياض، وموسى هو ابن عقبة.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن المسيبي عن أنس بن عياض، وفي الفتن عن محمد بن عماد.

                                                                                                                                                                                  قوله: (بين ظهري الناس)، ويروى " ظهراني الناس " بزيادة النون؛ أي: جالسا في وسط الناس، والمراد أنه جلس بينهم مستظهرا لا مستخفيا، وقد مر تفسير هذا غير مرة، ويقال: إن هذه اللفظة زائدة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ألا إن المسيح)، كلمة " ألا " للتنبيه، كأنه ينبه السامعين ليكونوا على ضبط من سماع كلامه.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أعور العين اليمنى)؛ أي: عين الجثة أو الجهة اليمنى، وفي رواية ابن ماجه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الدجال أعور عين اليسرى. والجمع بينهما أن يقدر فيها أن إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة، فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، إذ الأصل في العور العيب.

                                                                                                                                                                                  قوله: (كأن عينه عنبة طافية)، الطافية الناتئة عن حد أختها، من الطفو وهو أن يعلو الماء ما وقع فيه. ويقال " طافئة " بالهمز؛ أي: ذاهب ضوؤها، وبدون الهمز أي: ناتئة بارزة. وقال الخطابي: العنبة الطافية هي الحبة الكبيرة التي خرجت عن حد أخواتها. قلت: طافية بلا همز من طفا الشيء يطفو من باب معتل اللام الواوي، وبالهمزة من طفأ يطفأ من باب علم يعلم، يقال: طفئت النار تطفأ طفؤا وأطفأتها أنا. (فإن قلت): جاء في رواية أنه جاحظ العين كأنها كوكب، وفي [ ص: 34 ] أخرى أنها ليست بناتئة ولا حجراء بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم. قال الهروي: إن كانت اللفظة محفوظة فمعناها أنها ليست بصلبة متحجرة، وقد رويت جحراء بتقديم الجيم أي: غائرة منجحرة في نقرتها. وقال الأزهري: هي بالخاء المعجمة دون الحاء وبالجيم في أوله، ومعناها الضيقة التي لها غمص ورمص. وفي رواية أبي داود الطيالسي من حديث أبي بن كعب: إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء. وعن ابن عمر: إحدى عينيه مطموسة والأخرى ممزوجة بالدم كأنها الزهرة. قلت: التوفيق بينهما بأن يقال: إن اختلاف الأوصاف بحسب اختلاف العينين.

                                                                                                                                                                                  قوله: (وأراني) بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي الليلة، أي: في الليلة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (آدم) بالمد؛ لأنه أفعل، من الأدمة وهي السمرة الشديدة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (من أدم الرجال) بضم الهمزة، جمع أدم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (لمته) بكسر اللام، وهي الشعر إذا جاوز شحم الأذنين، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا بلغت المنكبين فهي جمة، وإذا قصرت عنهما فهي وفرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (رجل الشعر) بكسر الجيم، بمعنى: منظف الشعر ومسرحه ومحسنه، وهو من الترجيل وهو تسريح الشعر وتنظيفه، وفي رواية مالك: له لمة قد رجلها فهي تقطر ماء.

                                                                                                                                                                                  قوله: (تقطر رأسه ماء)، وهو الماء الذي رجلها به لقرب ترجيله، أو هو استعارة من نضارته وجماله.

                                                                                                                                                                                  قوله: (جعدا)، قد ذكرنا أن الجعودة تحتمل الذم والمدح بحسب الاستعمال، وهو في صفة عيسى مدح، وفي صفة الدجال ذم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (قططا) بفتح القاف والطاء المهملتين، وقد تكسر الطاء الأولى، والمراد به شدة جعودة الشعر.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أعور عين اليمنى) من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وهو عند الكوفيين ظاهر، وعند البصريين تقديره: عين صفحة وجهه اليمنى.

                                                                                                                                                                                  قوله: (كأشبه من رأيت) بضم التاء وفتحها.

                                                                                                                                                                                  قوله: (بابن قطن) بفتح القاف والطاء، واسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو الجاهلي الخزاعي، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد وكانت عند الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس فولدت له أبا العاص ثم خلف عليها بعده أخوه ربيعة بن عبد العزى ثم خلف عليها وهب بن عبد فولدت له أولادا، ثم خلف عليها قطن بن عمرو بن حبيب بن سعد بن عائذ بن مالك بن جذيمة - وهو المصطلق - فولدت له عبد العزى بن قطن.

                                                                                                                                                                                  قوله: (واضعا يديه) نصب على الحال.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية