الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


535 37 - (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سعد، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس).

التالي السابق


مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الأول.

(ذكر رجاله) وهم ستة: محمد بن جعفر هو غندر، وقد تكرر ذكره، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عمرو بالواو ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله، وجابر بن عبد الله الأنصاري.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في أربعة مواضع، وفيه السؤال، وفيه تابعيان، وفيه أن رواته ما بين بصري ومدني وكوفي.

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضا في الصلاة، عن مسلم، وأخرجه مسلم فيه، عن أبي بكر وبندار وأبي موسى، ثلاثتهم عن غندر، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم عنه به، وأخرجه أبو داود فيه، عن مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه النسائي فيه، عن عمرو بن علي وبندار، كلاهما عن غندر به.

ذكر معناه. قوله: (قدم الحجاج)، هو ابن يوسف الثقفي، والي العراق.

وقال بعضهم: وزعم الكرماني أن الرواية بضم أوله، قال: وهو جمع حاج، قال: وهو تحريف بلا خلاف، (قلت): لم يقل الكرماني : إن الرواية بضم أوله، وإنما قال: الحجاج بضم أوله، جمع الحاج، وفي بعضها بفتحها، وهو ابن يوسف الثقفي، وهذا أصح، ذكره في مسلم، ولم يقف الكرماني على الضم، بل نبه على الفتح، ثم قال: وهذا أصح، وقوله: (في مسلم )، هو ما رواه من طريق معاذ عن شعبة : كان الحجاج يؤخر الصلوات. قوله: (قدم الحجاج)؛ يعني: قدم المدينة واليا من قبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عقيب قتل ابن الزبير رضي الله عنهما، فأمره عبد الملك على الحرمين. قوله: (فسألنا جابر بن عبد الله)، لم يبين المسؤول ما هو تقديره، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، وقد فسره في حديث أبي عوانة في (صحيحه) من طريق أبي النضر، عن شعبة : سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة - عن وقت الصلاة. قوله: (بالهاجرة)، الهاجرة: شدة الحر، والمراد بها: نصف النهار بعد الزوال، سميت بها؛ لأن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر لأجل القيلولة وغيرها، فإن قلت: يعارضه حديث الإبراد؛ لأن قوله: (كان [ ص: 57 ] يصلي الظهر بالهاجرة)، يشعر بالكثرة والدوام عرفا، (قلت): لا تعارض بينهما؛ لأنه أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقا، والإبراد مقيد بشدة الحر. قوله: (والعصر)، بالنصب، أي وكان يصلي العصر. قوله: (والشمس نقية)، جملة اسمية وقعت حالا على الأصل بالواو، ومعنى نقية: خالصة صافية لم يدخلها بعد صفرة وتغير. قوله: (والمغرب)، بالنصب أيضا، أي وكان يصلي المغرب إذا وجبت؛ أي: إذا غابت الشمس، وأصل الوجوب السقوط، والمراد: سقوط قرص الشمس، وفي رواية أبي داود، عن مسلم بن إبراهيم: والمغرب إذا غربت، وفي رواية أبي عوانة من طريق أبي النضر، عن شعبة : والمغرب حين تجب الشمس؛ أي: حين تسقط. قوله: (والعشاء)، بالنصب أيضا؛ أي: وكان يصلي العشاء. قوله: (أحيانا وأحيانا)، منصوبان على الظرفية، والمعنى: كان يصلي العشاء في أحيان بالتقديم، وفي أحيان بالتأخير، وقوله: (إذا رآهم اجتمعوا عجل)، بيان لقوله أحيانا؛ يعني: إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجل بالعشاء؛ لأن في تأخيرها تنفيرهم، وقوله: (وإذا رآهم أبطؤوا أخر)، بيان لقوله وأحيانا؛ يعني: إذا رأى الجماعة تأخروا بالعشاء لإحراز فضيلة الجماعة، والأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، وهو المشهور، وهو المراد هاهنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة أشهر، وقوله: (أبطؤوا) على وزن أفعلوا بفتح الطاء وضم الهمزة.

وقال الكرماني : والجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل؛ أي: يصلي العشاء معجلا إذا اجتمعوا، ومؤخرا إذا تباطؤوا، ويحتمل أن يكونا من المفعول، والراجع إليه محذوف؛ إذ التقدير عجلها وأخرها، (قلت): لا نسلم أن إذا هاهنا للشرط بل على أصلها للوقت، والمعنى: كان يصلي العشاء أحيانا بالتعجيل إذا رآهم اجتمعوا، وكان يصلي أحيانا بالتأخير إذا رآهم تأخروا، والجملتان بيانيتان كما ذكرنا، وكل واحد من عجل وأخرج جواب إذا. قوله: (والصبح) بالنصب أيضا؛ أي: وكان يصلي الصبح، وقوله: (يصليها بغلس)، إضمار على شريطة التفسير، وقد علم أن الإضمار على شريطة التفسير كل اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره، أو متعلقه لو سلط عليه لنصبه، وهاهنا الاسم هو قوله: (الصبح)، وقوله: (يصليها)، فعل وقع بعده. قوله: (كانوا أو كان)، بكلمة الشك.

وقال الكرماني : الشك من الراوي عن جابر، ومعناهما متلازمان؛ لأن أيهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النبي - عليه الصلاة والسلام - فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان إمامهم، وخبر كانوا محذوف، يدل عليه كان يصليها؛ أي: كانوا يصلون.

وقال ابن بطال: ظاهره أن الصبح كان يصليها بغلس اجتمعوا أو لم يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان، حذف خبر كانوا، وهو جائز كحذف خبر المبتدإ كقوله تعالى: واللائي لم يحضن والمعنى: واللائي لم يحضن فعدتهن مثل ذلك ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف الجملة التي هي الخبر لدلالة ما تقدم عليه، وحذف الجملة التي بعد أو مع كونها مقتضية لها.

وقال السفاقسي : تقديره أو لم يكونوا مجتمعين، ويصح أن تكون كان تامة غير ناقصة فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد أو خاصة.

وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون شكا من الراوي، هل قال كان النبي أو كانوا، ويحتمل أن يكون تقديره والصبح كانوا مجتمعين مع النبي - عليه الصلاة والسلام - أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده يصليها بغلس، (قلت): الأوجه ما قاله الكرماني ، وقول كل واحد من الثلاثة لا يخلو عن تعسف، لا يخفى ذلك على المتأمل. قوله: (بغلس) متعلق بقوله (كانوا) أو (كان) باعتبار الشك، فإن علقتها بقوله (كانوا) لا يلزم منه أن لا يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم، وإن علقتها (بكان) لا يلزم أن لا يكون أصحابه معه، والغلس بفتحتين ظلمة آخر الليل.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه بيان معرفة أوقات الصلاة الخمس، وفيه بيان المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها إلا ما ورد فيه الإبراد بالظهر والإسفار بالصبح وتأخير العشاء عند تأخر الجماعة، وفيه السؤال عن أهل العلم، وفيه تعين الجواب على المسؤول عنه إذا علم بالمسؤول.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث