الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

2693 - "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة؛ ولا فخر؛ وبيدي لواء الحمد ؛ ولا فخر؛ وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه؛ إلا تحت لوائي؛ وأنا أول شافع؛ وأول مشفع؛ ولا فخر"؛ (حم ت هـ)؛ عن أبي سعيد ؛ (ح) .

التالي السابق


(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ؛ ولا فخر) ؛ أي: أقول ذلك شكرا؛ لا فخرا؛ من قبيل قول سليمان - عليه الصلاة والسلام -: علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ؛ أي: لا أقوله تكبرا؛ وتفاخرا؛ وتعاظما على الناس؛ وقيل: لا أتكبر به في الدنيا؛ وإلا؛ ففيه فخر الدارين؛ وقيل: لا أفتخر بذلك؛ بل فخري بمن أعطاني هذه الرتبة؛ و"الفخر": ادعاء العظم؛ والمباهاة؛ وهذا قاله للتحدث بالنعمة؛ وإعلاما للأمة؛ ليعتقدوا فضله على جميع الأنبياء؛ وأما خبر: "لا تفضلوا بين الأنبياء" ؛ فمعناه: تفضيل مفاخرة؛ وهنا أجوبة غير مرضية؛ (وبيدي لواء الحمد) ؛ بالمد؛ والكسر؛ علمه؛ والعلم في العرصات مقامات لأهل الخير؛ والشر؛ ينصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره؛ وأعلى تلك المقامات: الحمد؛ ولما كان أعظم الخلائق؛ أعطي أعظم الألوية؛ وهو لواء الحمد ؛ ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون؛ وعليه فالمراد باللواء الحقيقة؛ فلا وجه لعدول البعض عنه؛ وحمله على لواء الجمال والكمال؛ (ولا فخر) ؛ أي: لا فخر لي بالعطاء؛ بل المعطي؛ ولهذا المعنى المقرر افتتح كتابه بالحمد؛ واشتق اسمه من الحمد؛ وأقيم يوم القيامة المقام المحمود؛ وسيفتح عليه في ذلك المقام من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله؛ ولا بعده؛ (وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه) ؛ اعتراض بين النفي؛ والاستثناء؛ أفاد أن آدم - عليه السلام - بالرفع؛ بدلا؛ أو بيانا من محله؛ و"من"؛ فيه موصولة؛ و"سواه"؛ صلته؛ وصح لأنه ظرف؛ وآثر الفاء التفصيلية في "من"؛ للترتيب على منوال الأمثل فالأمثل؛ (إلا تحت لوائي؛ وأنا أول من تنشق عنه الأرض) ؛ وفي رواية: "تنشق الأرض عن جمجمتي"؛ (ولا فخر) ؛ أي: أول من يعجل الله إحياءه؛ مبالغة في الإكرام؛ وتعجيلا لجزيل الإنعام ؛ قال الطيبي : قوله: "ولا فخر"؛ حال مؤكدة؛ أي: أقول هذا؛ ولا فخر؛ (وأنا أول شافع) ؛ يوم القيامة؛ أو في الجنة ؛ لرفع الدرجات فيها؛ بشهادة خبر مسلم : "أنا أول شافع في الجنة" ؛ ( وأول مشفع) ؛ بقبول شفاعته في جميع أقسام الشفاعة لله ؛ ثم أراد أن يتواضع لربه؛ ويهضم نفسه؛ لئلا يكون لها مزكيا؛ وبحالها في السيادة والشرف معجبا؛ فقال: (ولا فخر) ؛ أي: لا أقوله افتخارا وتبجحا؛ بل شكرا وتحدثا بالنعمة؛ وإعلاما للأمة؛ وأما قوله لمن قال له: يا خير البرية؛ قال: "ذاك إبراهيم" ؛ فعلى جهة التواضع؛ وترك التطاول على الأنبياء - عليهم السلام -؛ أو قبل أن يعلم بتفضيله عليه؛ لا يقال: كيف يصح من معصوم الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لأجل تواضع؛ أو آداب؟! وكيف يكون ذلك خبرا عن أمر وجودي؛ والأخبار الوجودية لا يدخلها نسخ؟! لأنا نقول: نمنع أن هذا إخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه؛ فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه؛ وتأدب مع أبيه؛ بإضافة ذلك اللفظ إليه؛ ولم يتعرض للمعنى؛ فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ علي؛ وأطلقوه على إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أدبا معه؛ واحتراما؛ فهو خبر عن الحكم الشرعي؛ لا عن المعنى الوجودي؛ سلمنا أنه خبر عن أمر وجودي؛ لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل؛ بل منه ما يتبدل؛ ولا يلزم من تبدله تناقض؛ ولا محال؛ ولا نسخ؛ كالإخبار عن الأمور الوضعية؛ وبيانه أن معنى كون الإنسان مكرما ومفضلا؛ إنما هو بحسب ما يكرم به؛ ويفضل على غيره؛ ففي وقت يكرم بما يساوي فيه غيره؛ وفي وقت يزاد على ذلك الغير؛ وفي وقت يكرم بشيء لم يكرم به أحد؛ فيقال عليه في المنزلة الأولى: مكرم؛ وفي الثانية: مفضل مقيد؛ وفي الثالثة: مفضل مطلقا؛ ولا يلزم من ذلك تناقض ولا نسخ؛ ذكره القرطبي ؛ قال: أغبط به! وشد عليه يدك؛ قال بعض الصوفية: وإنما أعلم أمته بالسيادة؛ وأنه أول شافع؛ ليريحهم من التعب ذلك اليوم؛ وذهابهم لنبي بعد نبي ليشفع لهم؛ أو يرشدهم لنافع؛ وأنهم يمكثون بمحلهم حتى تأتيه النوبة فيقول: "أنا لها؛ أنا لها"؛ فما ذهب إلى نبي بعد نبي إلا من لم يبلغه الخبر؛ أو نسي؛ وأخذ من الحديث أنه لا بأس بقول الشيخ لتلميذه: خذ مني هذا الكلام المحقق الذي [ ص: 43 ] لا تجده عند غيري؛ أو نحو ذلك؛ بقصد اعتنائه؛ وعدم تهاونه به؛ (تتمة) :

قالوا في الخصائص: خص نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالشفاعة العظمى في فصل القضاء؛ وبالشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب؛ وبالشفاعة فيمن استحق النار؛ لا يدخلها؛ والشفاعة في رفع درجات ناس في الجنة؛ كما جوز النووي اختصاص هذه والتي قبلها به؛ ووردت به الأخبار في التي قبلها؛ وصرح به عياض وغيره؛ وبالشفاعة في إخراج عموم أمته من النار؛ حتى لا يبقى منهم أحد؛ ذكره السبكي ؛ وبالشفاعة لجمع من صلحاء المؤمنين؛ ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات؛ ذكره القزويني في العروة؛ وبالشفاعة في الموقف؛ تخفيفا عمن يحاسب؛ وبالشفاعة فيمن دخل النار من الكفار أن يخفف عنه العذاب؛ وبالشفاعة في أطفال المشركين ألا يعذبوا؛ وبالشفاعة في أهل بيته ألا يدخل أحدا منهم النار.

(حم ت؛ في المناقب؛ هـ) ؛ كلهم؛ (عن أبي سعيد ) ؛ الخدري ؛ قال الترمذي : حسن صحيح.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث