الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


2033 [ ص: 439 ] ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا هشام بن عبد الملك ، قال: ثنا أبو عوانة ، عن حصين ، قال: أخبرني إبراهيم ، عن نهيك بن سنان السلمي ، أنه أتى عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - فقال: "قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال: أهذا مثل هذ الشعر؟! أو نثرا مثل نثر الدقل؟! ، وإنما فصل لتفصلوه، لقد علمنا النظائر التي كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ; عشرين سورة: الرحمن والنجم على تأليف ابن مسعود كل سورتين في ركعة، وذكر الدخان وعم يتساءلون في ركعة، فقلت لإبراهيم: أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع؟ قال: ربما قرأت أربعا في ركعة".

التالي السابق


ش: إسناده صحيح، وهشام بن عبد الملك هو أبو الوليد الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود ، وأبو عوانة اسمه الوضاح اليشكري ، وحصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي روى له الجماعة، وإبراهيم هو النخعي ، ونهيك بن سنان السلمي، وثقه ابن حبان .

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش ، عن أبي وائل قال: "جاء رجل من بني بجيلة يقال له: نهيك بن سنان إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفا تجده أم ياء؟ "من ماء غير ياسن"؟ أو من ماء غير آسن ؟ قال: فقال لي عبد الله: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟ قال: فقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، قال: هذا كهذ الشعر؟! إن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ; نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. قال: وقال عبد الله: إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله - عليه السلام -".

وأخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي شيبة .

[ ص: 440 ] قوله: "أهذا" الألف فيه للاستفهام أي: أتهذ هذا كهذ الشعر، والهذ: سرعة القراءة أي: أسرعة كسرعة من يسرع في قراءة الشعر.

وقال النووي: الهذ -بتشديد الذال- هو شدة الإسراع والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترسل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء.

قال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذ، وقال: في مثل هذ الشعر معناه في تحفظه وروايته لا في إنشاده وترنمه.

قوله: "أو نثرا" عطف على قوله: "أهذا"، وانتصاب "أهذا" على المصدرية.

قوله: "مثل نثر الدقل" الدقل -بفتح الدال والقاف، وفي آخره لام- ثمر الدوم وهو يشبه النخل وله حب كبير وفيه نوى كبير عليه لحيمة عفصة تؤكل رطبة، فإذا يبس صار شبه الليف. وقيل: الدقل أردأ التمر، والبرني أجوده، وتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورا، وقيل: شبهه بتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هز.

قوله: "وإنما فصل" على صيغة المجهول أي: وإنما فصل المفصل وهو السبع السابع، يعني أكثر فصوله لتفصلوه; أراد به لتفرقوه وتتأنوا في قراءته وتراعوا الترسل والترتيب ولا تسرعوا فيه.

قوله: "النظائر" جمع نظيرة وهي السور التي يشبه بعضها بعضا في الطول والقصر.

قوله: "عشرين سورة" بدل من قوله "النظائر" وليس هو بمفعول لقوله: "يقرأ" وإنما مفعول "يقرأ" محذوف تقديره: التي كان رسول الله - عليه السلام - يقرأها.

قوله: "الرحمن والنجم" بيان لقوله "النظائر"; لأن كلا منهما تشبه الأخرى في مقدار الطول والقصر; لأن سورة الرحمن ست وسبعون آية وسورة النجم ثنتان وستون آية، وهي قريبة من سورة الرحمن نظيرة لها.

[ ص: 441 ] قوله: "على تأليف ابن مسعود" أراد أن سورة النجم كانت بحذاء سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود، بخلاف مصحف عثمان الذي هو المشهور اليوم.

قوله: "كل سورتين في ركعة" مفعول لمحذوف تقديره: كان - عليه السلام - يقرأ كل سورتين من النظائر التي هي عشرون سورة; في كل ركعة واحدة من الصلاة، ويجوز أن يكون مفعولا لـ "يقرأ" الظاهر، فلا يحتاج إلى تقدير "يقرأ" أخرى، فافهم.

قوله: "وذكر الدخان وعم يتساءلون" هذا أيضا على تأليف ابن مسعود، فسورة الدخان سبع أو تسع وخمسون آية، وسورة عم يتساءلون أربعون أو إحدى وأربعون آية، وهما متقاربان في المقدار.

قوله: "فقلت لإبراهيم" القائل هو حصين بن عبد الرحمن السلمي .

قوله: "ما دون ذلك" إشارة إلى ما ذكر من السور المذكورة، وذكر الضمير باعتبار المذكور.

قوله: "أربعا" أي أربع سور في ركعة واحدة، وهي السورة التي هي أقصر في المقدار من السور المذكورة، أعني: الرحمن والنجم والدخان وعم يتساءلون.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث