الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب هل ينبغي له أنه يركع أم لا ؟

2182 ص: فإن قال قائل: فقد روي عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" فذكر في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان ، عن عثمان بن أبي سليمان، سمع عامر بن عبد الله بن الزبير يخبر عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: أخبرني بكر بن مضر ، عن ابن عجلان ، عن عامر بن عبد الله ... فذكر بإسناده مثله.

حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: حدثني القعنبي، قال: ثنا مالك ، عن عامر بن عبد الله ... فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو إسحاق الضرير -يعني إبراهيم بن زكرياء- قال: ثنا حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - مثله.

قال: فهذا يدل على أنه ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.

[ ص: 54 ] قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، إنما هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيها الصلاة، وليس على من دخل المسجد في حال لا تحل فيها الصلاة، ألا ترى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو في وقت من هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لا ينبغي له أن يصلي، وأنه ليس ممن أمره النبي - عليه السلام - أن يصلي ركعتين لدخوله المسجد ; لأنه قد نهي عن الصلاة حينئذ، فكذلك الذي دخل المسجد والإمام يخطب ليس له أن يصلي، وليس ممن أمره النبي - عليه السلام - بذلك، وإنما يدخل في أمر رسول الله - عليه السلام - الذي ذكرت كل من لو كان في المسجد قبل ذلك، فآثر أن يصلي كان ذلك له، وأما من لو كان في المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلي حينئذ فليس بداخل في ذلك، وليس له أن يصلي ; قياسا على ما ذكرنا من حكم الأوقات المنهي عن الصلاة فيها التي وصفنا.

التالي السابق


ش: تقرير السؤال: أن قوله - عليه السلام -: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" عام يتناول كل داخل في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره، فإذا كان كذلك ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يركع ركعتين.

وتقرير الجواب: أن هذا الحديث مخصوص بحال من دخل المسجد في وقت تحل له فيه الصلاة، وليس بمطلق، وذلك كالأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة نحو طلوع الشمس وغروبها واستوائها في الظهيرة، فإنه ليس لأحد أن يصلي تحية المسجد إذا دخله في وقت من هذه الأوقات، فلا يكون الداخل في المسجد في هذه الأوقات داخلا تحت الأمر، وكذلك الداخل في حالة خطبة الإمام ليس بداخل تحت هذا الأمر ; لكون هذا الوقت غير صالح للصلاة كالأوقات المكروهة، وباقي الكلام ظاهر.

قوله: "فآثر" بالمد أي اختار أن يصلي.

ثم الحديث المذكور أخرجه من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري .

[ ص: 55 ] أما حديث أبي قتادة فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم المكي، روى له الجماعة البخاري مستشهدا، والترمذي في "الشمائل".

وهو يروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني روى له الجماعة غير الترمذي ، عن عمرو بن سليم بن عمرو الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن أبي قتادة - رضي الله عنه -.

الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج ، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المصري ، عن بكر بن مضر ، عن محمد بن عجلان ، عن عامر بن عبد الله ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة .

وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا سفيان ، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة ، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين من قبل أن يجلس".

الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، عن مالك بن أنس ، عن عامر بن عبد الله ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة .

وأخرجه البخاري: عن عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة السلمي، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

[ ص: 56 ] وأخرجه مسلم: عن القعنبي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك ... إلى آخره نحوه.

وأبو داود: عن القعنبي أيضا، عن مالك .

والترمذي: عن قتيبة ، عن مالك .

والنسائي أيضا: عن قتيبة ، عن مالك .

وابن ماجه: عن العباس بن عثمان ، عن الوليد بن مسلم ، عن مالك ... إلى آخره.

وأخرجه الدارقطني أيضا والطبراني وابن أبي شيبة، وله زيادة حسنة بإسناد جيد: "أعطوا المساجد حقها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن يجلس".

وزاد أبو أحمد الجرجاني: "وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله -عز وجل- جاعل له من ركعتيه خيرا" وإسناده منكر، وقال البخاري: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك أيضا ابن القطان .

وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي إسحاق الضرير إبراهيم بن زكرياء المعلم، فيه مقال كثير، فقال أبو حاتم: حديثه منكر. وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل. وقال الدارقطني: ضعيف.

[ ص: 57 ] وهو يروي عن حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ذكوان ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ... إلى آخره.

وأخرجه الترمذي معلقا، وقال: روى سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا حديث غير محفوظ، والصحيح حديث أبي قتادة .

ثم اعلم أن ركعتي المسجد سنة بإجماع المسلمين إلا ما روي عن داود وأصحابه وجوبها بظاهر الأمر.

وليس كذلك ; لأن الأمر محمول على الاستحباب والندب لقوله - عليه السلام - للذي سأله عن الصلوات: "هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع" وغير ذلك من الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أن لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه وهو قول الأوزاعي والليث، وحكي ذلك أيضا عن الشافعي، ومذهبه الصحيح أنه يصليهما في كل وقت، وهو قول أحمد وإسحاق والحسن ومكحول، والله أعلم.

[ ص: 58 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث