الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2364 ص: فإن قال قائل: فإنا قد روينا عن عمر - رضي الله عنه -: " أنه صلى بالناس جنبا وأعاد ولم يعيدوا " ، فدل ذلك أن صلاتهم لم تكن مضمنة لصلاته.

                                                فقال مخالفهم: إنما فعل ذلك لأنه لم يشعر بأن الجنابة كانت من قبل الصلاة فأخذ لنفسه بالحوطة، فأعاد ولم يأمر غيره بإعادة، فقد ذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال: ثنا زائدة بن قدامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن زييد بن الصلت قال، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "قد احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت، ثم قال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر، ثم قام وصلى متمكنا وقد ارتفع الضحى".

                                                حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن زييد بن الصلت أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فنظر فإذا هو قد احتلم فصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أدري إلا وقد احتلمت وما شعرت وصليت وما اغتسلت قال: فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير، فأذن فأقام الصلاة، ثم صلى بعد ما ارتفع الضحى متمكنا".

                                                فدل هذا على أن عمر - رضي الله عنه - لم يكن تيقن بالحدث الجنابة كانت منه قبل الصلاة.

                                                [ ص: 287 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 287 ] ش: هذا اعتراض أورده أهل المقالة الأولى على ما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: إنا قد رأينا صلاة المأمومين مضمنة لصلاة إمامهم في صحتها وفسادها .

                                                تقريره أن يقال: ما ذكرتم من قولكم: إن صلاة المأمومين مضمنة لصلاة إمامهم غير صحيح ; وذلك لأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلى بالناس جنبا ثم أعاد صلاته والقوم لم يعيدوا، فلو كانت صلاتهم مضمنة لصلاته لأمرهم بالإعادة، فحيث لم يعيدوا دل على أن صلاتهم لم تكن مضمنة لصلاته.

                                                وتقرير الجواب أن يقال: إنما فعل عمر ذلك لأنه لم يعلم ولم يتيقن بأن الجنابة كانت منه قبل الصلاة فاحتاط في ذلك وأخذ بالحزم فأعاد صلاته، وهو معنى قوله: "فأخذ لنفسه بالحوطة فأعاد" أي بالاحتياط ولم يأمر غيره بالإعادة لعدم التيقن بكونها قبل الصلاة، والدليل على ذلك ما رواه زبيد بن الصلت عنه أنه قال: "أراني قد احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت" أي أظن أني قد احتلمت، فهذا يدل على أنه لم يكن متيقنا بالجنابة قبل الصلاة.

                                                وأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                أحدهما: عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري ونسبته إلى غدانة -بضم الغين المعجمة- بن يربوع بن حنظلة ، عن زائدة بن قدامة الكوفي، روى له الجماعة، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ، عن زييد بضم الزاي المعجمة وباليائين آخر الحروف أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- ابن الصلت بن معاوية أبي كثير الكندي ، يقال: إنه ولد في عهد النبي - عليه السلام -، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" مختصرا وقال: ثنا وكيع ، عن هشام ، عن أبيه، عن زييد بن الصلت: "أن عمر - رضي الله عنه - غسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير، وأعاد بعد ما ارتفع الضحى متمكنا"

                                                [ ص: 288 ] الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك بن أنس إلى آخره.

                                                وأخرجه مالك في "موطئه".

                                                قوله: "أراني" أي أرى نفسي، والمعنى: أظن أني قد احتلمت وما شعرت أي وما علمت.

                                                قوله: "أغسل ما رأيت" أي أغسل من ثوبي الموضع الذي رأيت فيه الجنابة.

                                                قوله: "وأنضح ما لم أر" أي أرش الماء على الموضع الذي لا أرى فيه شيئا من الجنابة.

                                                قوله: "وقد ارتفع الضحى" جمله حالية.

                                                وجواب آخر: أن هذا يعارضه ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، رواه أبو يوسف في "الأمالي" عنه: "أنه صلى بأصحابه يوما ثم علم أنه كان جنبا، فأمر مؤذنه ينادي: ألا إن أمير المؤمنين كان جنبا فأعيدوا صلاتكم".

                                                ولأن معنى الاقتداء وهو البناء هنا لا يتحقق لعدم تصور التحريمة مع قيام الحدث والجنابة، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية