الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من وجوه عشرة ) . ( أحدها ) أنها غير مقدرة واختلفوا في تحديد أكثره واتفقوا على عدم تحديد أقله فعندنا هو غير [ ص: 178 ] محدود بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه وقال أبو حنيفة : لا يجاوز به أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط وللشافعي في ذلك قولان لنا إجماع الصحابة فإن معن بن زائدة زور كتابا على عمر رضي الله عنه ونقش خاتما مثل خاتمه فجلد مائة فشفع فيه قوم فقال أذكروني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد فكان ذلك إجماعا ؛ ولأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات احتجوا بما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تجلدوا فوق عشر في غير حدود الله تعالى } والجواب أنه خلاف مذهبهم فإنهم يزيدون على عشر أو ؛ لأنه محمول على طباع السلف رضي الله عنهم كما قال الحسن إنكم لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها [ ص: 179 ] من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ، ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب .

( وثانيها ) من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة ، واختلفوا في التعزير وقال مالك وأبو حنيفة إن كان لحق الله تعالى وجب كالمحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام وقال الشافعي هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه ، وإن شاء تركه احتج الشافعي رضي الله عنه بما في الصحيح { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير في أمر السقي : أن كان ابن عمتك } يعني فسامحته ؛ ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج . والجواب عن الأول أنه حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى { كونوا قوامين بالقسط } فإذا قسط فتجب إقامته ، وعن الثاني أن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ، ونصيب الإنسان في بيت المال غير مقدر وهو واجب ؛ ولأن تلك الكلمات كانت تصدر لجفاء الأعراب لا لقصد السب .

( وثالث الفروق ) أن التعزير على وفق الأصل من جهة اختلافه باختلاف الجنايات وهو الأصل بدليل الزنا مائة وحد القذف ثمانون والسرقة القطع [ ص: 180 ] والحرابة القتل وقد خولفت القاعدة في الحدود دون التعازير فسوى الشرع بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار وشارب قطرة من الخمر وشارب جرة في الحد مع اختلاف مفاسدها حدا ، وعقوبة الحر والعبد سواء مع أن حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره مع أن العبيد إنما ساوت الأحرار في السرقة والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد واستوى الجرح اللطيف الساري للنفس والعظيم في القصاص مع تفاوتهما ، وقتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع .

( الرابع ) من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد ، وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية وجاء في هذا الفرق فرع وهو أن الحنفي إذا شرب النبيذ ، ولم يسكر قال مالك أحده ولا أقبل شهادته ؛ لأن تقليده في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصح لمنافاتها للقياس الجلي على الخمر ومخالفة النصوص الصحيحة { ما أسكر كثيره فقليله حرام } وقال الشافعي رضي الله عنه أحده ، وأقبل شهادته أما حده فللمفسدة الحاصلة من التوسل لإفساد العقل ، وأما قبول شهادته فإنه لم يعص بناء على صحة التقليد عنده ، قال : والعقوبات تتبع المفاسد لا المعاصي فلا تنافي بين عقوبته وقبول شهادته ويبطل عليه قوله من جهة أن هذا إنما هو في التعازير أما الحدود المقدرة فلم توجد في الشرع إلا في معصية عملا بالاستقراء ، فالحق مع مالك رحمه الله تعالى [ ص: 181 ]

( الخامس ) من الفروق أن التعزير قد يسقط ، وإن قلنا بوجوبه قال إمام الحرمين إذا كان الجاني من الصبيان أو المكلفين قد جنى جناية حقيرة والعقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا ، والعظيمة التي تؤثر فيه لا تصلح لهذه الجناية سقط تأديبه مطلقا أما العظيمة فلعدم موجبها ، وأما الحقيرة فلعدم تأثيرها ، وهو بحث حسن ما ينبغي أن يخالف فيه .

( السادس ) من الفروق أن التعزير يسقط بالتوبة ما علمت في ذلك خلافا ، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة لقوله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } . ( سؤال ) مفسدة الكفر أعظم المفاسد والحرابة أعظم مفسدة من الزنا وهاتان المفسدتان العظيمتان تسقطان بالتوبة والمؤثر في سقوط الأعلى أولى أن يؤثر في سقوط الأدنى ، وهو سؤال قوي يقوي قول من يقول بسقوط الحدود بالتوبة قياسا على هذا المجمع عليه بطريق الأولى .

وجوابه من وجوه : ( أحدها ) أن سقوط القتل في الكفر يرغب في الإسلام فإن قلت : إنه يبعث على الردة قلت الردة قليلة فاعتبر جنس الكفر وغالبه . ( وثانيها ) أن الكفر يقع للشبهات فيكون فيه عذر عادي ، ولا يؤثر أحد أن يكفر لهواه قلنا ، ولا يزني أحد إلا لهواه فناسب التغليظ . ( وثالثها ) أن الكفر لا يتكرر غالبا وجنايات الحدود تكرر غالبا فلو أسقطناها بالتوبة ذهبت مع تكررها مجانا وتجرأ عليها الناس في اتباع أهويتهم أكثر ، وأما الحرابة فلأنا لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق [ ص: 182 ] المفسدة بالقتل أو أخذ المال أما متى قتل قتل إلا أن يعفو الأولياء عن الدم ، وإذا أخذ المال وجب الغرم وسقط الحد ؛ لأنه حد فيه تخيير بخلاف غيره فإنه محتم والمحتم آكد من المخير فيه .

( السابع ) أن التخيير يدخل في التعازير مطلقا ولا يدخل في الحدود إلا في الحرابة إلا في ثلاثة أنواع فقط .

( تنبيه ) التخيير في الشريعة لفظ مشترك بين أشياء أحدها : الإباحة المطلقة كالتخيير بين أكل الطيبات وتركها . وثانيها : الواجب المطلق كتصرفات الولاة فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال أو في أسارى العدو أو المحاربين أو التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله ويأثم بتركه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من واجب إلى واجب غير أن له ذلك يهواه في التكفير ، والإمام يتحتم في حقه ما أدت المصلحة إليه لا أن هاهنا إباحة ألبتة ، ولا أنه يحكم في التعازير بهواه وإرادته كيف خطر له ، وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء هذا فسوق وخلاف الإجماع بل الصواب ما تقدم ذكره . وثالثها تخيير الساعي بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون في صدقة الإبل فإن الإمام هاهنا يتخير كما يتخير المكفر في كفارة الحنث غير أن الفرق بينهما أن هذا تخيير أدت إليه الأحكام وفي الحنث تخيير متأصل فتأمل هذه التخييرات .

( الثامن ) أنه يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه ، والجناية والحدود لا تختلف باختلاف فاعلها فلا بد في التعزير من اعتبار مقدار [ ص: 183 ] الجناية والجاني والمجني عليه .

( التاسع ) أن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في بلاد يكون إكراما في بلد آخر كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وكشف الرأس عند الأندلس ليس هوانا وبالعراق ، ومصر هوان . ( العاشر ) أنه يتنوع لحق الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز ونحو ذلك ، وإلى حق العبد الصرف كشتم زيد ونحوه ، والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق لله تعالى إلا القذف على خلاف فيه إما أنه تارة يكون حدا حقا لله تعالى وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد ألبتة .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من وجوه ) قلت جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح لكنه أغفل من الأجوبة عن قوله صلى الله عليه وسلم { لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله } أصحها ، وأقواها وهو أن لفظ الحدود في لفظ الشرع ليس مقصورا على الزنا وشبهه بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى فإن قيل الحديث يقتضي مفهومه أنه [ ص: 178 ] يجلد عشر جلدات فما دونها في غير الحدود فما المراد بذلك فالجواب أن المراد به جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم ، والله تعالى أعلم . وأغفل أيضا التنبيه على ضعف قول إمام الحرمين أن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها وبيان ضعف ذلك القول بل بطلانه أن قوله العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيها ردعا ، قول متناف من جهة أنه لا معنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فيها العادة الجارية ردعا فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها هذا أمر لا خفاء به ، ولا إشكال ، والله تعالى أعلم ، وجميع ما قاله في الفروق الثلاثة بعده صحيح أو نقل وترجيح . [ ص: 179 - 192 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث