الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يقدم عليه

( الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يقدم عليه )

والفرق بينهما مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات - وضابط ما قدمه الله - تعالى - على غيره من المطلوبات وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها المضيق على الموسع ؛ لأن التضييق يشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيقا ، وأن ما جوز له تأخيره وجعله موسعا عليه دون ذلك .

ويقدم الفوري على المتراخي ؛ لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره ، ويقدم فرض الأعيان على الكفاية ؛ لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل ، والأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل ، والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره ولذلك يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته ، وإن كان أعلى رتبة منه كما تقدم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن ؛ لأن قراءة القرآن لا تفوت .

وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان وكذلك يقدم صون الأموال على العبادات إذا خرجت عن العادة كتقديم صون المال في شراء الماء للوضوء والغسل على الوضوء والغسل وينتقل للتيمم ، وكتقديمه على الحج إذا أفرطت الغرامات في الطرقات ويقدم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ الغريق والحريق ونحوهما على الصلاة إذا كان فيها ، أو خارجا عنها وخشي فوات وقتها فيفوتها ويصون [ ص: 204 ] ما تعين صونه من ذلك وكذلك يقدم صون مال الغير على الصلاة إذا خشي فواته وهو من باب تقديم حق العبد على حق الله تعالى وهي مسألة خلاف فمنهم من يقول حق الله يقدم ؛ لأن حق العبد يقبل الإسقاط بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى ومنهم من يقول حق العبد مقدم بدليل ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد ، ونظائر هذه المسائل كثيرة في الشريعة فعلى هذه القاعدة يتضح لك ما يقدم على الحج مما لا يقدم عليه فيقدم حق الوالدين على الحج ، إذا قلنا : إنه على التراخي ؛ لأن حق الوالدين على الفور إجماعا والفوري مقدم على المتراخي وكذلك يقدم حق السيد على الحج ؛ لأن الحج لا يلزم العبد وحق السيد واجب فوري وكذلك يقدم حق الزوج على الحج الفرض إن قلنا إنه على التراخي ؛ لأن حق الزوج فوري وكذلك يمنع الدين الحال الخروج إلى الحج ؛ لأنه فوري ولا يمنع الدين المؤجل .

قال مالك رحمه الله : الحج أفضل من الغزو ؛ لأن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكثر الحج ولا يحضر الغزو وكذلك تقدم ركعة من العشاء على الحج إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء والوقوف قال أصحابنا رحمهم الله يفوت الحج ويصلي وللشافعية رحمهم الله أقوال : يفوتها ، ويقدم الحج لعظم مشقته يصلي وهو يمشي كصلاة المسايفة ، والحق مذهب مالك ؛ لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا وبالله الإعانة .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه ) .

الفرق بين ما يقدم وما لا يقدم على الحج من الواجبات والحقوق مبني على قاعدة أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها أحد ثلاثة أنواع على ما يقابله :

النوع الأول : ما جعله صاحب الشرع مضيقا من حيث إن التضييق يشعر بكثرة اهتمامه به يقدم على ما جوز للمكلف تأخيره ، وجعله موسعا عليه ومن ذلك تقديم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته ، وإن كان أعلى رتبة منه وله نظائر كثيرة في الشريعة منها تقديم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن لأن قراءة القرآن لا تفوت وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان ومنها تقديم صون الأموال إذا خرجت عن العادة على العبادات فينتقل للتيمم عن الوضوء والغسل إذا خرج ثمن الماء في شرائه لهما عن العادة بأن كان له بال لا يلزمه بذله في شرائه إن ظن وجود الماء كما في ابن حمدون على صغير ميارة على ابن عاشر لا إن زاد على الثلث فقط لأن الثلث لا يكون [ ص: 201 ] كثيرا إلا إذا كان للماء كبير ثمن أما إذا لم يكن له ذلك كأن يكون بدرهم فهذا وإن زاد بأكثر من نصفه وأضعافه فلا ضرر عليه فيه كما يؤخذ من كلام الحطاب على منسك خليل في شراء نعل الإحرام فتنبه ، ولا يجب الحج إذا أفرطت الغرامات في الطرقات قال العدوي على الخرشي ولا يسقط الحج إذا أخذ ظالم شيئا لا يجحف به ، وإذا أخذ لا يرجع بل يقف عند قوله آخذ هذا القدر ، وعلم منه ذلك عادة كعشار فإن كان يعلم أنه يأخذ ما يجحف ، أو ينكث ولو قل المجموع ومثل النكوث تعدد الظالم فيسقط عنه الحج ا هـ .

قال الخرشي وكذا يسقط إن شك أنه ينكث على أحد القولين وهو المذهب ا هـ أفاده شيخنا في حاشية توضيح المناسك ومنها تقديم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ الغريق والحريق ونحوهما إذا تعين ذلك عليه على الصلاة ولو كان فيها ، أو خشي فوات وقتها ومنها تقديم صون مال الغير إذا خشي فواته على الصلاة عند من يقول حق العبد مقدم بدليل ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد لا عند من يقول حق الله يقدم لأن حق العبد يقبل الإسقاط بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى .

( النوع الثاني ) الواجب على الفور يقدم على الواجب على التراخي لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره ، مثلا حق الوالدين واجب على الفور إجماعا فيقدم على الحج إذا قلنا إنه على التراخي وحق السيد واجب فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك وحق الزوج فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك ، والدين الحال من حيث إنه فوري يمنع الخروج إلى الحج إذا قلنا بذلك ولا يمنع ذلك الدين المؤجل .

( النوع الثالث ) فرض الأعيان يقدم على فرض الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل وفرض الأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل ، والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره قال مالك رحمه الله تعالى : الحج أفضل من الغزو لأن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكثر الحج ولا يحضر الغزو واختلف العلماء فيمن أتى مراهقا وعليه صلاة العشاء ولم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء والوقوف فخاف باشتغاله بأحدهما فوات الآخر هل يصلي مطلقا ، أو يدرك الوقوف مطلقا ، وإن كان حجازيا صلى ، وإلا أدرك الوقوف ، أو يصلي وهو ماش ، أو راكب كصلاة المسايفة فيدركهما معا ؟

أقوال أربعة رجح الأول خليل في مختصره حيث قال وصلى ولو فات وجعله الأصل مذهب مالك وما عداه أقوالا للشافعية وقال إنه الحق لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا ا هـ وسلمه ابن الشاط وقال في المدخل اختلف علماؤنا فيه على أربعة أقوال وذكرها على الترتيب المذكور ، وقال : والمشهور الأول ، ورجح الرابع ا هـ .

وقال العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على الجوهرة ولا ينافي أفضلية الصلاة قول المالكية كجمع من غيرهم بتقديم الوقوف على الصلاة حيث .

[ ص: 202 ] خاف فواته ، وتضعيفهم لقول الشيخ خليل وصلى ولو فات فإن ذلك لمزيد مشقة الحج وعدم إمكانه كل وقت ، ودين الله يسر وينبغي تقييد كلامهم كما هو ظاهر سياقهم بمن أحرم قبل ، وإلا صلى ولو فات وقد قالوا بعدم وجوب الحج في البحر حيث حصل له دوخة تمنعه القيام في الصلاة فليحرر ا هـ . والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث