الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منه

4256 [ ص: 55 ] (باب منه) وهو في النووي، في: (الباب المتقدم).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم النووي، ص 62، 63 جـ 15، المطبعة المصرية

[عن ثوبان أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم فسئل عن عرضه، فقال: من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه، فقال: أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن ثوبان) رضي الله عنه؛ (أن نبي الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ قال: إني لبعقر حوضي): بضم العين، وإسكان القاف. وهو موقف الإبل من الحوض؛ إذا وردته. وقيل: مؤخره.

(أذود الناس، لأهل اليمن). معناه: أطرد الناس عنه، غير أهله. قال النووي: وهذه كرامة لأهل اليمن، في تقديمهم في الشرب منه: مجازاة لهم بحسن صنيعهم، وتقدمهم في الإسلام. والأنصار من اليمن-. فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دفعوا في الدنيا عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: أعداءه، والمكروهات.

[ ص: 56 ] (أضرب بعصاي). قال عياض: وعصاه المذكورة في هذا الحديث، هي المكنى عنها: "بالهراوة"، في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم؛ في كتب الأوائل: "بصاحب الهراوة".

قال أهل اللغة: "الهراوة" بكسر الهاء: "العصا". قال: ولم يأت لمعناها "في صفته، صلى الله عليه وآله وسلم": تفسير؛ إلا ما ظهر لي في هذا الحديث. قال النووي: وهذا الذي قاله - في تفسير الهراوة بهذه العصا-: بعيد، أو باطل؛ لأن المراد بوصفه بالهراوة: تعريفه بصفة يراها الناس معه، يستدلون بها على صدقه، وأنه المبشر به، المذكور في الكتب السالفة. فلا يصح تفسيره: بعصا، تكون في الآخرة. قال: والصواب، في تفسير "صاحب الهراوة": ما قاله الأئمة المحققون: أنه صلى الله عليه وآله وسلم: كان يمسك القضيب بيده، كثيرا.

وقيل: لأنه كان يمشي والعصا بين يديه، وتغرز له فيصلي إليها.

وهذا مشهور في الصحيح. والله أعلم. انتهى.

(حتى يرفض عليهم). ومعناه: يسيل عليهم. ومنه: حديث البراق: "استصعب، حتى ارفض عرقا". أي: سال عرقه..

قال أهل اللغة والغريب: أصله من الدمع. يقال: "ارفض"، إذا سال متفرقا.

[ ص: 57 ] قلت: وعلى كل الحال: في هذا الحديث منقبة عظيمة، وبشارة فخيمة: لأهل اليمن الماضين والآتين. وقد وردت في فضائل اليمن وأهله؛ آيات وأخبار صحيحة، ذكرنا طرفا منها، في كتابنا: "سلسلة العسجد، من ذكر مشائخ السند". وقد اتصل سندنا لدواوين السنة: بعلماء اليمن، ومجتهديه. واتصل نسبنا: بضئضئ سيد ولد آدم؛ عليه الصلاة والسلام. وفقهنا هذا، هو فقه اليمن. وقد جاء بذلك حديث في صحيح مسلم؛ بلفظ: "والفقه يماني". وهؤلاء مشائخنا من أهل اليمن، كلهم متبعون أثريون. ولله الحمد. ومن هنا نرجو منه سبحانه: أن يجعلنا ممن يشرب من حوض النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: كأسا دهاقا؛ بل ماء غدقا حتى يرفض علينا. وما ذلك على الله بعزيز.

(فسئل عن عرضه؟ فقال: من مقامي إلى عمان ). تقدم ضبطه. والأحاديث في مقدار هذه المسافة مختلفة، كما سبقت الإشارة إليه. قال في "إرشاد الساري": ففي حديث ابن عمرو: "مسيرة شهر". وفي حديث أنس: "كما بين أيلة، وصنعاء".

وفي حديث حارثة: "كما بين المدينة، وصنعاء".

[ ص: 58 ] وفي حديث أبي هريرة: "أبعد من أيلة إلى عدن). وهي تسامت صنعاء. وكلها متقاربة؛ لأنها كلها نحو شهر، أو تزيد، أو تنقص.

وفي حديث عقبة، عند أحمد: "ما بين أيلة، إلى الجحفة".

وفي حديث جابر: "كما بين صنعاء، إلى المدينة).

وكلها متقاربة: ترجع إلى نحو نصف شهر، أو تزيد على ذلك قليلا، أو تنقص.

وأقل ما ورد في ذلك، عند مسلم: "قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاثة أيام". فقيل في الجمع: إن هذه الأقوال، صارت على وجه، بأنه صلى الله عليه وآله وسلم: خاطب أهل كل جهة. بما يعرفون من المواضع. وهو تمثيل وتقريب لكل أحد، ممن خاطبه: بما يعرفه من تلك الجهات. وبأنه ليس في ذكر المسافة القليلة، ما [ ص: 59 ] يدفع الكثير. فالأكثر: ثابت بالحديث الصحيح، فلا معارضة. فأخبر أولا: بالمسافة اليسيرة. ثم أعلمه الله تعالى: بالطويلة، فأخبر بما تفضل الله به عليه باتساعه: شيئا فشيئا. فالاعتماد على أطولها.

وأما قول بعضهم: الاختلاف إنما هو بالنظر: إلى الطول والعرض، فمردود بحديث ابن عمرو: "وزواياه سواء"، وحديث النواس وغيره: "طوله وعرضه: سواء".

ومنهم من حمله على: السير المسرع، والبطيء. لكن في حمله على أقلها، وهو الثلاث: نظر. أو هو عسر جدا، لاسيما مع ما سبق. والله الموفق. انتهى).

قلت: واستنبط بعض المتأخرين، من قوله: "وزواياه سواء": أن الحوض مدور، وليس بمربع. وليس بواضح. وإن احتمل. والله أعلم.

(وسئل عن شرابه؟ فقال: "أشد بياضا من اللبن. وأحلى من العسل. يغت فيه ميزابان").

"يغت" بفتح الياء، وضم الغين المعجمة، وكسرها. هكذا قال ثابت، والخطابي، والهروي، وصاحب التحرير، والجمهور. وكذا هو في معظم نسخ بلاد النووي. ونقله عياض عن الأكثرين.

قال الهروي: ومعناه: يدفقان فيه الماء، دفقا متتابعا شديدا.

[ ص: 60 ] قالوا: وأصله من إتباع الشيء الشيء. وقيل: يصبان فيه دائما، صبا شديدا.

ووقع في بعض النسخ: "يعب" بضم العين المهملة، وبموحدة. وحكاها عياض عن رواية العذري. قال: وكذا ذكره الحربي، وفسره بمعنى ما سبق. أي: لا ينقطع جريانهما! قال: "والعب": الشرب بسرعة، في نفس واحد. قال عياض: ووقع في رواية "ابن ماهان": "يثعب" بالثاء. أي: يتفجر.

(يمدانه من الجنة): بفتح الياء وضم الميم. أي: يزيدانه ويكثرانه.

(أحدهما: من ذهب. والآخر: من ورق).

اللهم توفنا مسلمين. واسقنا من حوض سيد المرسلين، ولا تحرمنا منه، يا رب العالمين!.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث