الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان سرعة تقلب وانقسام القلوب في التغير والثبات

القلب الثاني : القلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث، المفتوح فيه أبواب الشياطين المسدود عنه أبواب الملائكة ، ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه ، فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى ، وأنس به ، واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى فتستولي ، النفس وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته .

فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفئ أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم وصم عن السمع ، وهاجت الشهوة فيه ، وسطا الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى فظهرت ، المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى : أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وبقوله عز وجل لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وبقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجها حسنا لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه، أو كالذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه والرياسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه، أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفئ منه أنواره فينطفئ نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان .

القلب الثالث : قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة ويحسن التمتع والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوى داعي الهوى ويقول : ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك ، وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان أفتريد ، أن يزيد منصبك على فلان وفلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ، ولو كان ذلك شرا لامتنع منه فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان ، ويقول : هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسي العاقبة أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ولا تستثقل ألم النار أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ، ووقف الناس كلهم في الشمس ، وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا تخالفهم خوفا من حر النار ؟! فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به ، فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضا عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى ، وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان .

وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة بل مال إلى حزب الله تعالى ، وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه فقلب - -: " المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " أي : بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب أعني التقليب والانتقال من حزب إلى حزب .

التالي السابق


(القلب الثاني: القلب المخذول) الموصوف بالخذلان المضاد للتوفيق (المشحون بالهوى المدنس بالخبائث الملوث بالأخلاق الذميمة) مثل الجهل والطمع وحب الدنيا وغيرها، (المفتحة فيه أبواب الشياطين المسدودة عنه أبواب الملائكة ، ومبدأ الشرفية أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه) وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر الهوى في القلب على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وخفائها (فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه) إذا رد إليه الفتوى بإذن الشارع (ويستكشف وجه الصواب فيه ، فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى ، وأنس به ، واستمر على استنباط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته ، فتسول النفس) وتزين (وتساعد عليه) ؛ وذلك لأن بين القلب والنفس مناغاة ومحادثات وترددا وتألفا ، فيكون أنسه بالهوى إنما هو بتسويل النفس له من قول أو فعل ، فيواقعها أحيانا فتروم عليه النفس من نواحيه، وتحسن إليه تلك الموافقة (فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانخناس جند العقل) أي: تأخره (عن مدافعته فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب الانتشار

[ ص: 305 ] الهوى) في جوانبه (فيقبل عليه) حينئذ عن قرب (بالتزين والغرور والأماني) الكاذبة ويخدعه بها (ويوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين بخوف الآخرة إذ يتصاعد من الهوى) عند التمكن (دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه) فيحجب البصيرة (حتى تنطفئ أنواره فيصير العقل) فيه (كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا تقدر على أن تنظر) إلى شيء (وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب) إذا استولت عليه أعمت بصيرته (حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار) في جليات الحقائق، (ولو) فرض أنه (بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه) وأفهمه بحسن تقريره (عمي عن الفهم وصم عن السمع ، وهاجت الشهوة، وسطا الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى ، وظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من الله وقدر) ولفظ القوت: وإذا أراد الله بعبد هلكة، وكان قد حكم بوقوع الشر نظر القلب بعد الهمة بهوى النفس إلى العقل فراجع العقل النفس فسولت وطوعت ، فسكن العقل واطمأن إلى تسويل النفس وطوعها فانشرح الصدر بالهوى لسكون العقل وانتشر الهوى في القلب لشرح الصدر وتوسعته فقوي سلطان العدو لاتساع مكانه ، وأقبل بتزيينه وغروره وأمانيه ووعده بوحي ذلك زخرفا من القول غرورا فضعف سلطان الإيمان لقوة سلطان العدو، وخبا نور اليقين لآثار ظلمة الهوى ، فقويت صفات النفس لضعف القلب واشتعلت نيران الشهوة لخمود نور الإيمان ، فغلب الهوى لقوة الشهوة فأحرقت العلم والإيمان فارتفع الحياء واستتر الإيمان بالشهوة ، فظهرت المعصية لغلبة الهوى وارتفاع الحياء (وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى: أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) وبقوله تعالى: ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وبقوله) تعالى: ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) وهذا هو القلب المنكوس الذي ذكر في حديث حذيفة عند تقسيم القلوب، وهو الميال إلى النفس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: إن النفس لأمارة بالسوء .

(القلب الثالث: قلب تبدو فيه خواطر الهوى فيدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير) وهذا هو القلب المتردد بينهما، وبحسب غلبة ميله يكون حكم السعادة والشقاوة ، كما أشار إليه المصنف بقوله: (فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة ويحسن التمتع) والتلذذ (والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الشر ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب) وهذا هو معاقبة القلب للنفس حين تكدره منها فيما انطلقت فيه بهواها ، وذلك يكون عند عود العبد من مواطن مطالبات النفس والإقبال على الذكر والمراقبة (فتميل النفس إلى نصح العقل) وتضعف قوتها، وهذا الميل منها بموجب الألفة التي جعل الله بينهما إن كان تكونه منها عند سكونها مع الروح (فيحمل الشيطان حملة على العقل ويقوى داعي الهوى ويقول: ما هذا التحرج البارد) والتكلف الذي لا معنى له ، (ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك، وهل ترى أحدا من

[ ص: 306 ] أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه فتترك ملاذ الدنيا لهم يتمتعون فيها وتتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان، أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان) ويسميهم بأسمائهم (وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا) من التمتع بالملاذ (أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك، ولو كان ذلك شرا لامتنع عنه) أتريد أن تكون أفضل منه (فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه) بمقتضى جبلتها الأصلية وتلقي نصح القلب إلى ورائها (فيحمل الملك على الشيطان، ويقول: هل هلك إلا من اتبع لذة الحال) في العاجل (ونسي العاقبة أفتقنع بلذة يسيرة) قريبة الزوال (وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد) لا تنقطع (أم تستثقل ألم الصبر عن شهوة) زائلة أي: تعده ثقيلا عليك (ولا تستثقل ألم النار) التي من عذب بها لم يفلح (أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخف عنك بمعصية غيرك أرأيت لو كنت في) زمان (صيف، ووقف الناس كلهم في الشمس ، وكان لك بيت بارد) مظلل (أكنت مساعدا للناس أو تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا تخالفهم خوفا من حر النار؟! فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك فلا يزال) مترددا (بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به ، فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها) من الجهل والطمع وحب الدنيا وغيرها (غلب الشيطان) وكانت تلك الصفات جندا له ومداخل إلى القلب (ومال القلب) بحكم الغلبة (إلى جنسه من أحزاب الشياطين معرضا عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه وجرى) بسبب ذلك (على أعضائه بسابق) القضاء (والقدر ما هو سبب عن بعده عن) حضرة (الله تعالى ، وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية) التي تقدمت الإشارة إليها (لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان) أي: لم يمل (وتحريضه إياه على العاجلة) أي: الدنيا (وتهوينه أمر الآجلة) أي: الآخرة، (بل مال إلى حزب الله تعالى، وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن") كما تقدم ذكره (أي: بين تجاذب هذين الحزبين) المفهوم من قوله في تفسيره أن المراد به تحت قبضة قهره وقدرته (و) هذا (هو الغالب أعني التقلب والانتقال من حزب إلى حزب) حتى بالغوا في ذلك وقالوا:


وما سمي الإنسان إلا لأنسه * وما القلب إلا أنه يتقلب



فالتقلب والانتقال من شأن القلب هذا هو الأصل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث