الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان سرعة تقلب وانقسام القلوب في التغير والثبات

أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب ، فإنه من خزائن الملكوت وهي أيضا إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء .

فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ، ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء ، وألقي في قلبه حكم الشيطان فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى بقوله : إن الله رحيم ، فلا تبال وإن الناس كلهم ما يخافون الله ، فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها ، فيوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول الحق ، وكل ذلك بقضاء من الله وقدره فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ، خلق الجنة وخلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعمله بالمعاصي وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار ، فقال : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: " هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي " فتعالى الله الملك الحق لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب ، فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة ، وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزئ بالقشر عن اللباب ، بل يتشوق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب ، وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق .

تم كتاب عجائب القلب ولله الحمد والمنة ويتلوه .

التالي السابق


(أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشياطين فنادر من الجانبين) قليل الوقوع ، واعلم أن أعمال العباد لا تخلو من ثلاثة أنواع فرض ونفل ومعصية ، فالفرض بأمر الله تعالى ومحبته ومشيئته ، تجتمع هذه المعاني الثلاث في الفرائض والنفل بأمر الله تعالى ، إلا أنه لم يوجبه ولم يعاقب على تركه ، ولكن بمحبته تعالى والمعصية بمشيئته إلا أنه قد كرهها إذ لم يأمر بها ، ولم يندب إليها، ولكن بمشيئته إذ لا يخرج شيء عن إرادته، كما لا يخرج شيء عن علمه ، والإرادة والمشيئة اسمان لمعنى واحد قد دخل كل شيء فيهما كما دخل كل شيء في العلم ، قال تعالى: فعال لما يريد فهو عالم بما أراده كذلك هو مريد لما علمه ، أظهرت إرادته سابق علمه وكشف علمه الغيب ظهور إرادته الشهادة ، فالغيب علمه والشهادة معلومه ، فكيف يخالف المعلوم العلم وهو إجراء ما ينفذ؛ أراد به سابق علمه في معلومات خلقه ، وهذا فرض التوحيد فخرجت النوافل عن الأمر ، وخرجت المعاصي عن المحبة في تفصيل الأحكام ، ولم تخرج معصية عن مشيئته ، فإذا

[ ص: 307 ] عرفت ذلك ، فاعلم أن (هذه الطاعات والمعاصي تظهر في خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب ، فإنه من خزائن الملكوت وهي إذا ظهرت كانت علامات) وأمارات (تعرف أرباب القلوب سابق القضاء ، فمن خلق للجنة يسرت له الطاعة وأسبابها ، ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعصية وسلط عليه أقران السوء ، وألقي في قلبه حكم الشيطان) وإذا كانت الأشياء بعلمه جاريات جعل تسليط العدو بسلطانه كشفا وإظهارا لما أخفاه من سابق علمه كما جعل أفعال العباد الظاهرة كشفا وإظهارا لإرادته الباطنة .

وورد في بعض الأخبار: " سبق العلم ، وجف القلم ، وقضي القضاء ، وتم القدر بالسعادة من الله عز وجل لأهل طاعته وبالشقاء من الله تعالى لأهل معصيته " . كذا نقله صاحب القوت ، وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " (فإنه) أي: الشيطان (بأنواع الحكم يغر الحمقى) أي: يوقعهم في الغرور (كقوله: إن الله) غفور (رحيم، فلا تبال) مما صنعت (فإن الناس كلهم ما يخافون الله ، فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل) والأجل بعيد (فاصبر) اليوم واعمل خلاصك فيه (حتى تتوب غدا) ، ولفظ القوت: والخاطر بعد الهمة هو طهور العدو على القلب يزين الهمة ، وعلى العبد يرجي ويقسم له في أهله ويمنيه التوبة حتى يهون عليه المعصية ، ويعده بعدها المغفرة حتى يجرئه على الخطيئة ، وهذا هو الوعد بالغرور ، وبعده الهلاك والثبور ، كما قال تعالى: ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم أي بالتوبة ويمنيهم بالمغفرة فيهلكهم الله) تعالى (بهذه الحيل وما يجري مجراها ، فيوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول الحقائق ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره) ولفظ القوت: : وهذا كله تصديق ظن العدو بالعبد واتباع العبد له بالهوى عن مقام العبد له ، وكشف لعلم الله تعالى بإظهار الحكم وإنفاذ المشيئة ، وهو الابتلاء بالأسباب ، فصار العدو سببا ، وقد قال الله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ثم أحكم ذلك بسابق علمه، فقد قال الله تعالى: وما كان له عليهم من سلطان يعني: بحوله وقوته ولا بقهره ومشيئته إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وهذه الأوصاف المذمومة العبد مبتلى بها على تضاده تلك الصفات المحمودة التي هي من المنعم بها ولكل وجهة هو موليها ومكان الهوى من القلب على قدر تزين العبد له وتسلطه عليه ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) بأن يقذف في قلبه النور فينشرح له الصدر، (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) قيل: معنى يشرح: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به ، وقوله: ضيقا حرجا أي: شاكا كأنما يصعد في السماء أي: كما أن ابن آدم لا يستطيع أن يبلغ السماء، كذلك لا يقدر أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله تعالى في قلبه ، كل ذلك روي عن ابن عباس ، أخرجه عبد بن حميد، وقيل: ضيقا حرجا أي ملتبسا ، رواه أبو الشيخ عن قتادة .

ويروى أن عمر بن الخطاب قرأ يوما بين يدي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضيقا حرجا بفتح الراء فقالوا: يا أمير المؤمنين " حرجا" بكسر الراء ، فقال: ابغوا لي رجلا من كنانة ، فأتوه به ، فقال له عمر: يا فتى، ما الحرجة فيكم ؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء . فقال له عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. رواه عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر .

( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله (فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد) فإذا كان الهادي هو المضل فمن يهدي، وقد قال الله تعالى: فإن الله لا يهدي من يضل أي: فإن الله تعالى من شأنه أن أحدا لا يهدي من أضله ، ومن كان أضله الله تعالى في سابق علمه فكيف يهديه الآن ، فإذا كان المعطي هو المانع فمن يعطي ، ولو كان الخير كله في قلب عبد ما قدر أن يوصل إلى قلبه من قلبه ذرة ، ولا قدر أن ينفع نفسه بنفسه خردلة؛ لأن قلبه وإن كان جارحة فهو خزانته ، وله فيه ما لا يعلم هو فهو لا يطلع على ما في قلبه ، فكيف به أن يملك ما فيه فيصرفه بما يحب ، فإذا كان المالك عزيزا وجبارا ، وكان كل شيء بيده لم يصل إلى ما عنده بقوة ولا حيلة ، فليس الطريق إليه إلا الصدق

[ ص: 308 ] والإخلاص والذل والافتقار (لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، خلق الجنة وخلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة) ويسر لهم أسبابها (وخلق لها أهلا فاستعملهم بالمعاصي وعرف الخلق علامة أهل النار و) علامة (أهل الجنة ، فقال: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ثم قال تعالى فيما يروي عنه نبينا -صلى الله عليه وسلم-: " هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي") قال العراقي : رواه أحمد وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: إنه مضطرب الإسناد اهـ .

قلت: وأخرج البزار والطبراني وابن عساكر من حديث أبي الدرداء: " خلق الله آدم فضرب كتفه اليمنى ، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم اللبن ، ثم ضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذين على يمينه: هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وقال للذين على يساره: هؤلاء في النار ولا أبالي " (فتعالى الله الملك الحق) لا إله إلا هو كل ذلك من خالق النفس ومسويها وجبار القلوب ومقلبها؛ حكمة منه وعدلا لمن شاء، ومنة وفضلا لمن أحب كما قال تعالى: وتمت كلمة ربك أي الهداية والإضلال صدقا لأوليائه مما وعدهم من الثواب وعدلا على أعدائه مما أعد لهم من العقاب ، ثم قال تعالى: ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب ، فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة ، وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر) بل يتطلع إلى ما وراءها من الأسرار، (ولا يجترئ) أي: لا يكتفي (بالقشور عن اللباب، بل يتشوق إلى معرفة دقائق الأسباب ، وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء الله تعالى) ، وهذا آخر كتاب عجائب القلب ، وقد ألحقت به فصولا مما يناسب ذكره في هذا الباب هي كالمتممات له ، وذلك مما اقتطفته من كتابي قوت القلوب وعوارف المعارف وغيرهما مما تيسر لي الوقوف عليه ، وقد أعزو ما نقلته عن غيرهما .



(فصل)

كون خاطر العقل تارة مع النفس والعدو ، وتارة مع الروح والملك فيه حكمة من الله تعالى لصنعته وإتقان لصنعه ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز ، فتكون عاقبة ذلك من الجزاء أو العقاب عائدا له، وإليه إذ جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجواز أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته ، كذلك جعل العقل مطية للخير والشر يجري معهما في خزانة الجسم؛ إذ لو كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف وسببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة نعيم أو عذاب أليم ، فلم يكن العقل غائبا ، فيكون العبد عن الفعل ذاهبا ، ولم تكن الشهوة عازبة فتكون النفس مفقودة ، إذ في ذلك تضعيف لحجة الله ووهن لبرهانه؛ لأن الفعل شاهد الحجة والشهوة في النفس والنية في القلب طريق المحجة ، وذلك أصل عود جزاء الأمر والنهي ، فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين والتقبيح ، والنفس مجبولة على الشهوة ، ومطبوعة على الأمر بالهوى ، وهذا نصيبهما من إعطائه وهواه لهما إلى رشاده وإغوائه وحظهما من الكتاب وقسمها من ولي الأسباب، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في عمله: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال تعالى: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب وقال تعالى: كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير .



(فصل)

كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن يضعف الخاطر ويخفى لضعف المعاني ودقتها ، ويقوى اليقين ويظهر بقوتها ، لأن هذه الثلاث مكان اليقين؛ أحدها الإيمان وموضعه من اليقين حجر النار، الثاني العلم ومكانه موضع الزناد ، والثالث العقل وهو مكان الحراق ، فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مراده وفي صفائه بجودة عدوه مثل المصباح في القنديل، الماء مكان العقل منه ، والزيت موضع العلم به وروح المباح، وبمدده يكون ظهور اليقين والفتيلة، وهو مثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف ، وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار

[ ص: 309 ] التي هي اليقين وهو مثل العلم في مدده بالزهد وفقد الهوى، فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان، فكلما اتسع القلب بالعلم بالله تعالى وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا ، ثم يشهد كل ما أمر به فيكون بذلك يقينه وسعة مشاهدته ، وكلما قصر علم القلب بالله وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قل إيمانه ، ثم أشهد ما أمر من وراء حجاب لما غابت عليه، قد حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر ، فيضعف بذلك إيمانه وتختل مشاهدته ولا يتحقق .



(فصل)

كل قلب اجتمع فيه ثلاث معان لم تفارقه خواطر الهوى؛ وهو الجهل والطمع وحب الدنيا، ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر ضعف هذه الثلاثة وقوتها ، ويظهر الهوى في القلب ويخفى على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وخفائها على مثل ما ذكرناه من تمكن خواطر اليقين، وضعفها لوجود مكانها وهو العلم والإيمان والعقل وفي القلب يظهر سلطان ذلك أجمع ، فأي جند كانت المشيئة معه غلب .



(فصل)

من خواطر النفس ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه وغموض شواهده ، فليس يعلم إلا بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط من فهم التنزيل ، وتعليم التأويل فأهل اليقين العارفون بأحكام الله الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب ، وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور الله الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه النافذ .



(فصل)

وليس يكاد علم اليقين يقدح من معدن العقل؛ لأن علوم العقل مخلوقات ، ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه التدبر، فما أنتجته الأفكار واستخرجته الفطن من الخواطر والعلوم فتلك علوم العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين، فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين يبادأ به العبد مبادأة ، وتتبعه مفاجأة وله مخصوص به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا يجده إلا عارف أو خائف أو محب ومن سوى هؤلاء فبحاله محجوب وبعباداته مطلوب ، وإلى مقامه ناظر ، وفي طريقه بمعقوله سائر؛ فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين فإنهم مسيرون محمولون سابقون مستهترون ظاهر أوصافهم الإصلاح، وأول عطائهم اندراج ذكرهم في ذكره، ومشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى عين اليقين، فأول نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين وهو صفاء المعرفة بالله عز وجل .

وآخر علم الإيمان أول علم اليقين وهو مشاهدة وصف، وهذه وجهة التوحيد، ولا آخر لأول عين اليقين، ولا انقطاع لآخر نصيبهم من مشاهدتهم ، وظاهر التوحيد توحيد الله سبحانه في كل شيء وتوحيده لكل شيء ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء ، ولا نهاية لعلم التوحيد ولا غاية لمزيد عطاء الموحدين ، ولكن لهم نهايات يوقفون تحتها وغايات يصدرون عنها ، فجعل أماكن لمزيدهم ويزدادون في وسعها ويمدون بعلوم يطلبون بها ما يكاشفون به لما وراءها أبد الأبد بلا آخر ولا أمد ، ولا يصل العبد إلى مشاهدة علوم التوحيد إلا بعلم المعرفة وهو نور اليقين ، ولا يعطى نور اليقين حتى يمخض الجوارح بأعمال الصالحات كما يمخض الزق باللبن حتى تظهر الزبدة وهو علم اليقين، فليست هذه الزبدة غاية الطالبين ولا بغية الصديقين؛ لأن وراءها صفوها وخالصها ، ثم تزاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها وهو صفوها ونهايتها، وهذا مثل لعين اليقين بعد علمه وبعد مشاهدته الوجه بمرآة القرب، وهي نوره ، فحينئذ لا يفارقه وجوده وحضوره ، فيرفع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة الصفات بعد ذوق علوم الخواطر يتجوهر نور شعاع وجه الذات ، وهذا مقام الإحسان .



(فصل)

قال بعض العارفين: لي قلب إذا عصيته عصيت الله تعالى يعني: أنه لا يقدح فيه إلا طاعة ولا يعتريه إلا حق قد صار رسوله تعالى إليه ، فإذا عصاه فقد عصى المرسل بمعنى الخبر: " الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل " وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: " المؤمن ينظر بنور الله تعالى ، فمن نظر بنور الله تعالى كان على بصيرة من الله تعالى ، وكان علمه بنوره طاعة له " .

وقال بعض العارفين منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة وما ساكنته طرفة عين .



[ ص: 310 ] (فصل)

خاطر اليقين والروح والملك من خزائن السماوات، وخواطر العقل والنفس والعدو من خزائن الأرض كما قيل: النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب ، والروح روحاني خلقت من الملكوت فهي ترتاج إلى العلو وللقلب خزانة من خزائن الملكوت، مثله كالمرآة تقدح فيه هذه الخواطر عن أواسطها من خزائن الغيب ، فتؤثر في القلب فيتلألأ فيه التأثير؛ فمنها ما يقع في سمع القلب ، فيكون فهما ومنها ما يقع في بصر القلب فيكون كلاما وهو الذوق ، ومنها ما يقع في شم القلب ، فيكون علما وهو العقل ، وهذا أقلها لبثا وأيسرها عناء ، وما وقع في باطن القلب فيكون علما [. . .] وحسه فخرق شغافه ووصل إلى سويدائه كان وجدا ، وهذا هو الحال عن مقام مشاهدة ، ومن هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: : " أسألك إيمانا يباشر قلبي " وقال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة وللدنيا ، وكان مرة مع الله ومرة مع نفسه ، فإذا دخل الإيمان إلى باطن القلب أبغض الدنيا وهجر هواه ، فإذا كانت هذه الخواطر من أواسط الهداة وهي الملك والروح كانت تقوى وهدى ورشدا ، وكانت من خزائن الخير، ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا وطيبا ، أدركته الحفظة وهم أملاك اليمين فأثبتوها حسنات ، وإن كانت الخواطر عن أواسط الغواة وهم العدو والنفوس كانت فجورا وضلالا، وهم من خزائن الشر ومغالق الأعراض قدحت في القلب ظلمة ونتنا، أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيئات ، فهذه جنود منقادة لأمره وهو تعالى قادر على كل شيء، بيده كل شيء، حكيم في كل شيء ، والعبد ضعيف عاجز جاهل ساكن لا يقدر على شيء، قد ابتلي بالأسباب ، ووقع عليه الحجاب ، وجعل مكانا للأحكام بالعقاب والثواب ، فالأسباب أواسط البلاء ، والعبد موضع الابتلاء ، والله هو المبلي المريد المبدئ المعيد ، وينشئكم فيما لا تعملون وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ، وليس يشهد العبد إلا ما أشهد ، فكذلك تفاوت العباد في المشاهدة ولا يستبين له إلا ما أبين له وأريد به ، فعن ذلك اختلفوا في الأدلة ، فإذا أراد الله سبحانه إظهار شيء من خزائن الغيب حرك النفس بلطيف القدرة فتحركت بإذنه ، فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة نكتت في القلب همة سوء ، فينظر العدو إلى القلب ، وهو مراصد ينتظر ، والقلوب له مبسوطة ، والنفوس لديه منشورة ، يرى ما فيها مما كان من عمله المبتلى به المصرف فيه ، فإذا رأى همة قد قدحت من النفس فأثرت ظلمة في القلب ظهر مكانه، فقوي بذلك سلطانه .

والهمة ترد على أحد ثلاثة معان أحدها هوى وهو عاجل حظ النفس وأمنيته ، وهذا عن الجهل الغريزي ودعوى حركة أو سكون ، وهو آفة العقل ومحنة القلب ، فأي هذه الثلاث قدح في القلب فهو وسوسة نفس وحضور عدد منسوب إليها محكوم عليها بالذم ، ليست تصدر إلا بأحد ثلاثة أصول بجهل أو غفلة أو طلب فضول دنيا ، وهي مما لا تعنى ، ومضافات إلى الدنيا وأعمالها ، فالأصل مجاهدة النفس والعدو عن إمضائها ، وحبس الجوارح عن السعي فيها ، إن كن من فضول الدنيا المباحات ، فإن كن هذه الثلاث وردن بمحرمات ففرض عليه كف الجوارح عن السعي ، فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن حجابا بين قلبه وبين اليقين ، وإن كن وردن بمباحات ففضل له نفيها عن قلبه كيلا يكون قلبه موطنا للفضلات ، وأصلهن الابتلاء من الله تعالى والتقليب والامتحان منه في التصريف ، فإن أراد الله تعالى سعادة هذا العبد بعد أن أشفى على الهلاك والبعد بتسليط العدو عليه وتسويل النفس له نظر القلب عند الابتلاء بهوى النفس بنور إيمانه إلى الله تعالى وأسر الالتجاء إليه وأخفى التوكل عليه عائذا لائذا به واضطر مخلصا له ، فهناك توكل عليه ، فكان حسيبه ، ووقي مكر عدوه ، وجعل له مخرجا ونجاه من شره ، فينظر إليه تعالى إلى القلب نظرة تخمد النفس وتمتحي الهمة ، وتخيف العدو لسقوط مكانه لخنوسه شر سلطانه ، فيصفو القلب من التأثير بنور السراج المنير ، فيخاف العبد مقام الرب لصفاء القلب ، فيفزع من الخطيئة ، ويهرب أو يستغفر منها ، ويتوب ويظهر عليه شعار تقواه .



(فصل)

وقد تختلف اللمتان فربما قدمت إليه لمة العدو بالأمر بالشر ويقدح بعدها لمة الملك

[ ص: 311 ] نصرة للعبد وتثبيتا على الخير وعناية من الرب ، فينهى عن ذلك ، فعلى العبد أن يعصي الخاطر الأول ، ويتبع الثاني ، وقد يتقدم إلهام الملك بالخير ثم يقدح بعده خاطر العدو بالنهي عنه والإملاء بالتأخير عنه محنة من الله تعالى للعبد ، لينظر كيف يعمل ، فعليه أن يطيع الخاطر الأول ويعصي الثاني ، ثم ترقى الخاطر من إلهام ووسوسة ، وقد يتفاوت ذلك لقوة وضعف؛ لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ، ومن قبل تقدير القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة؛ لأن له في خزانة الخير خزائن شر إذا شاء ، وله في خزانة الشر خزائن خير إذا أحب لمن يحب؛ لئلا يسكن إلى سواه ، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ولا يدل به أبدا؛ لأنه لا يأمن مكر الله بتقليب خزائن الشر من خزانة الخير ، إذ غلبه أبداه ولم ييأس من شر عليه أبدا ، لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من حيث خزائن الشر ، فيكون بين الخوف والرجاء ، ولا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم ولطائف الفهوم وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار ، فما كان العبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك ، وهذا هو الواعظ القائم في القلب والزاجر المؤيد العقل ، وقد تترادف خواطر الشر عن النفس والهوى ، فلا يعتقبها خاطر خير من الملك ، وهذا علامة البعد ونهاية قسوة القلب ، وقد يتتابع خاطر الخير من الروح والملك ويعافى العبد من خاطر الهوى والنفس ، وهذه علامة القرب وهو حال المقربين ، وقد ترد خواطر العدو ووساوسه بالخير؛ ابتلاء من الله تعالى لعبده ، وحيلة من العدو ومكرا من النفس ، يريد العدو بذلك الشر أو يخرجه آخرا إلى إثم أو ليقطعه بذلك عن واجب يشغله به عن الأفضل في الحال ، فيكون ظاهره برا وباطنه إثما ، ويكون أوله خيرا وآخره شرا ، وبغية العدو من ذلك باطنه وآخره ، وشهوة النفس من ذلك هواها ومناها قد لبسا ظاهره بالخير وموها أوله بالبر تحسينا ، وهذا من أدق ما يبتلى به العاملون ، ولا يعرف بواطنه وسرائره إلا العالمون ، فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخير صريح وبر محض على كل حال إذا ورد؛ لأن الخداع والحيلة ليسا من وصف الملائكة ، ولكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب ، إذا اشتدت قسوته ودامت معصيته من المبعدين، فيخلى بين القلب وبين نوازع العدو اللعين ، ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ويقترن بالعبد ، نعوذ بالله من أبعاده ، ولا يزال العبد مع إلهام الملك في مقام الإيمان ، فإذا دفع إلى مقامات اليقين تولاه الله تعالى بواسطة أنوار الروح ، فكان الروح مكان لقاء الحق سبحانه ، حتى يرد عليه من الله تعالى من السرائر ما لا يطلع عليه الملك ، ولا يكون ذلك حتى تفنى خواطر النفس بالهوى ، فلا تبقى منه باقية ، وتقوى النفس فتدرج في الروح ، فلا تظهر منها داعية ، ثم يتولاه الله بنور اليقين ، فيسطع له نور اليقين من خزانة الغيب بمكاشفة الجبروت ، فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة الغيب بفقد كونه ووجد كينونيته ، وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه ، وهذا يكون في مقام التوحيد وهو أنصبة المقربين .



(فصل)

كل عمل وإن قل لا بد له من ثلاثة معان قد استأثر الله تعالى بتوليها؛ أولها: التوفيق وهو الاتفاق أن يجمع بينك وبين الشيء . والثاني: القوة وهو اسم لثبات الحركة التي هي أول الفعل. الثالث : الصبر وهو تمام الفعل الذي به يتم ، وقد رد الله تعالى هذه الأصول التي يظهر عنها كل عمل إليه تعالى ، فقال: وما توفيقي إلا بالله وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله وقال: واصبر وما صبرك إلا بالله .



(فصل)

قد قرن الله القلب بالإيمان والبعث والأمر بهما في قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون قال ابن عباس: يحول بين المؤمن والكافر ، وبين الكافر والإيمان. وقيل: بين العبد وبين الاستجابة لله والرسول ، وقيل: بين المؤمن وسوء الخاتمة وبين الكافر وحسن الخاتمة. وقيل: بين المؤمن وأن يلقيه في كبيرة يهلك فيها وبين المنافق وأن يوفق لطاعة ينجو بها ، وهذه مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد .



(فصل)

نصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد ، ونصيبه منها حسب قسمه من اليقين ، وقسمه منه عن قربه من القريب ، وقربه منه بقدر علمه به تعالى واتساعه في العلم به على نحو مكانه

[ ص: 312 ] من نور الإيمان ، ومزيد إيمانه على قدر إحسانه إليه ، وإحسانه إليه على قدر عنايته به وإيثاره له علم الله من وراء ذلك ، وذلك سر القدر المحجوب المخترق ، ونصيب كل عبد من الجهل على قدر نصيبه من الغفلة ، ونصيبه من الغفلة على حسب حبه للدنيا ، وحبه للدنيا على قدر قوة الهوى ، وقوته في الهوى على قدر غلبة سلطان النفس ونشر صفاتها عليه ، وقوة صفات النفس على قدر ضعف اليقين ، وضعف يقينه من كثافة الحجاب وبعد البعد بينه وبين الله تعالى ، والحجاب والبعد ميراثه الكبر والقسوة ، والقسوة تورث الانهماك في المعاصي ، وإدمان المعاصي عن الإعراض والمقت ، والإعراض عن قلة عناية المولى بعبده وسوء نظره إليه ، ومن وراء ذلك سر القدر المحجوب الذي به عن الخلق استأثر .



(فصل)

الخلق محجوبون بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض أحدها أواسط وأسباب معترضة وشهوات حادثة وعادات صادرة ، فالأسباب توقفهم عليها ، والشهوات تجذبهم إليها ، والعادات تردهم فيها ، فأي هذه الحجب ظهر في قلب - وبعضها أشد من بعض - فهي مكان للعدو أوسع من مكان ، فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه ، قويت النفس بتزيين العدو ، وسولت بتأميله فملكت العبد ملكا أشد من ملك، فإذا ملكت النفس العبد كان مملوكها وأسيرها ، وكانت بالهوى أسيره ، فاستهواه الشيطان حينئذ بالغواية والإضلال ، واستحوذ عليه بمعاني المشاركة في الأولاد والأموال ، فشغله بذلك عن الله تعالى وأنساه ذكره ، وهذا هو الاقتران الذي ذمه الله تعالى في قوله ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا وهو فوق النزغ والهمز .



(فصل)

ما كان من لائح يلوح في القلب من معصية ثم ينقلب ولا يلبث ، فهذا نزغ من قبل العدو ، وما كان في القلب من هوى ثابت أو حال مزعج دائم لابث ، فهذا من قبل النفس الأمارة بطبعها أو مطالبة منها بسوء عادتها ، وما ورد على العبد من همة بمعصية ووجد العبد فيه كراهتها ، فالورود من قبل العدو ، والكراهة من قبل الإيمان ، وما وجده العبد وجدا فهوى أو معصية ، ثم ورد عليه المنع من ذلك ، فالوجد من النفس والوارد بالمنع من الملك ، وما وجده العبد من ذكر في عاقبة دنيا أو تدبير الحال ، ونظر إلى معبود فهذا من قبل العقل ، وما وجد من خوف أو حياء أو ورع أو زهد أو من شأن الآخرة فهذا من الإيمان ، وما شهده القلب من تعظيم أو هيبة أو إجلال أو قرب ، فهذا من اليقين ، وهو مزيد الإيمان وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ، وكل هذه الفصول لخصتها من كتاب القوت .



(فصل)

إذا كان شأن العبد تمييز خواطر النفس في مقام تخلصه من لمات الشيطان ، تكثر لديه خواطر الحق وخواطر الملك ، وتصير الخواطر الأربعة في حقه ثلاثة ، ويسقط خاطر الشيطان إلا نادرا لضيق

[ ص: 313 ] مكانه من النفس ؛ لأن الشيطان يدخل بطريق اتساع النفس ، واتساع النفس باتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض ، ومن ضايق النفس على التمييز بين الحظ والحق ضاقت نفسه وسقط محل الشيطان إلا نادرا لدخول الابتلاء عليه .



(فصل)

من المرادين بمقام المقربين من إذا صار قلبه سماء مزينا بزينة كواكب الذكر يصير قلبه سماويا ، فيرتقي ويعرج بباطنه ، ومعناه وحقيقته في طبقات السماوات ، وكلما تترقى تتضاءل النفس المطمئنة وتبعد عنه خواطرها حتى يتجاوز السماوات بعروج باطنه ، كما كان ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بظاهره وقالبه ، فإذا استكمل العروج تنقطع عنه خواطر اليقين لتستره بأنوار القرب وبعد النفس عنه ، وعند ذلك تنقطع عنه خواطر الحق أيضا ، لأن الخاطر رسول ، والرسالة إلى من بعد ، وهذا قريب ، وهذا الذي وصفناه نازل ينزل به ، ولا يدوم، بل يعود في هبوطه إلى منازل مطالبات النفس وخواطره ، فتعود إليه خواطر الحق ، وخواطر الملك ، وذلك أن الخواطر تستدعي وجودا ، وما أشرنا إليه حالة الفناء فلا خاطر فيه ، وخاطر الحق إبقاء لمكان القرب ، وخاطر النفس بعد لبعد النفس ، وخاطر الملك تخلف عنه كتخلف جبريل عليه السلام في ليلة المعراج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حيث قال: " لو دنوت أنملة لاحترقت" .



(فصل)

وسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء لا خامس لها ؛ إما ضعف اليقين أو قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى أو محبة الدنيا وجاهها ومالها ، وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس ، فمن عصم عن هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومن ابتلي بها لا يعلمها ولا يتطلبها ، وانكشاف بعض الخواطر دون البعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض ، وأقوم الناس بتمييز الخواطر أقومهم بمعرفة النفس ، ومعرفة النفس عسر المنال لا يكاد يتيسر إلا بعد الاستقصاء في الزهد والتقوى ، واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الإلهام والوسوسة ، وقال أبو علي الدقاق: من كان قوته معلوما لا يفرق بين الإلهام والوسوسة ، وهذا لا يصح على الإطلاق إلا بقيد ، وذلك أن من المعلوم ما يقيمه الحق تعالى لعبد سبق إليه الإذن في الأخذ منه والتقوت ، ومثل هذا المعلوم لا يحجب عن تمييز الخواطر ، إنما يقلل ذلك في حق من دخل في معلوم باختيار منه وإيثار ؛ لأنه يحجب لموضع اختياره ، والذي أشرنا إليه منسلخ عن إرادته ولا يحجبه المعلوم .



(فصل)

فرقوا بين هواجس النفس ووسوسة الشيطان وقالوا: إن النفس تطالب وتلمح ، فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها ، والشيطان إذا دعا ولم يجب يوسوس بأخرى ، إذ لا غرض له في تخصيص، بل مراده الإغواء كيف أمكن .



(فصل)

تكلم الشيوخ في الخاطرين إذا كانا من الحق أيهما يتبع؛ قال الجنيد: الخاطر الأول لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل ، وهذا بشرط العلم ، وقال ابن عطاء: الثاني لأنه ازداد قوة بالأول ، وقال أبو عبد الله بن خفيف: هما سواء؛ لأنهما من الحق ، فلا مزية لأحدهما على الآخر .



(فصل)

قالوا: الواردات أعم من الخواطر؛ لأن الخواطر يختص بنوع خطاب أو مطالبة ، والواردات تكون تارة خواطر ، وتارة تكون وارد سرور ، ووارد حزن ، ووارد قبض ، ووارد بسط .



(فصل)

من قصر عن دقائق الزهد ، وتطلع إلى تمييز الخواطر يزن الخواطر أولا بميزان الشرع ، فما كان من ذلك فضلا أو فرضا يمضيه وما كان من ذلك محرما أو مكروها يتقيه ، فإذا استوى الخاطران في نظر العلم ينفذ أقربهما إلى مخالفة هوى النفس ، فإن النفس قد يكون لها هوى كامنا في أحدهما ، والغالب من شأن النفس الاعوجاج والركون إلى الدون ، وقد يلم الخاطر بنشاط النفس ، والعبد يظن أنه بنهوض القلب ، وقد يكون من القلب نفاق لسكونه إلى النفس ، ولا يدرك نفاق الخواطر المتولدة منه إلا الراسخون ، وأكثر ما تدخل الآفات على أرباب القلوب والآخذين من اليقين واليقظة والحال ، فهم من هذا القبيل ، وذلك

[ ص: 314 ] لقلة العلم بالنفس والقلب وبقاء نصيب الهوى فيهم ، وينبغي أن يعلم العبد أنه مهما بقي عليه أثر من الهوى وإن دق قد يبقى عليه بحسبه بقية من اشتباه الخواطر ، ثم قد يغلط في تمييز الخواطر من حرم قليل العلم ، ولا يؤاخذ بذلك ما لم تكن عليه من الشرع مطالبة ، وقد لا يسامح بذلك بعض الغالطين لما كوشفوا به من دقيق الخطأ في التمييز ، ثم استعجالهم مع علمهم وقلة التثبت ، وهذه الفصول لخصتها من كتاب العوارف .



(فصل)

قال المصنف في مشكاة الأنوار: مراتب الأرواح البشرية النورانية وهي خمسة:

* الأول: الروح الحساس وهو أصل الروح الحيواني ، وأوله؛ إذ به يصير الحيوان حيوانا ، وهو موجود للصبي الرضيع .

* الثاني الروح الخيالي وهو الذي يتكسب ما أوردته الحواس ويحفظه مخزونا عنده ليعرضه على الروح العقلي الذي فوقه عند الحاجة إليه ، وهذا لا يوجد للصبي الرضيع في بداية نشوه ، فلذلك يولع بالشيء ليأخذه فإذا غيب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا ، فيصير بحيث إذا غيب عنه بكى وطلبه ، وذلك لبقاء صورته محفوظة في خياله ، وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض .

* الثالث: الروح العقلي الذي يدرك المعاني الخارجة عن الحس والخيال ، ولا يوجد للبهائم ولا للصبيان ، ومدركاته المعارف الضرورية الكلية .

* الرابع: الروح الفكري وهو الذي يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة .

* الخامس: الروح القدسي النبوي الذي به يختص الأنبياء وبعض الأولياء ، وفيه تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض ، وإليه الإشارة بقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فالروح الحساس أوفق مثال له في عالم الشهادة المشكاة ، والروح الخيالي أوفق مثال له الزجاجة ، والروح العقلي أوفق مثال له المصباح ، والروح الفكري أوفق مثال له الشجرة ، والروح القدسي أوفق مثال له الزيت ، وإذا كانت هذه الأنوار مرتبة بعضها على البعض فالحسي هو الأول ، وهو كالتوطئة للخيالي؛ إذ لا يتصور الخيالي إلا موضوعا بعده ، والفكري والعقلي بعدهما ، فبالحري أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح ، والمشكاة كالمحل للزجاجة ، فيكون المصباح في زجاجة ، والزجاجة في مشكاة ، وإذا كانت هذه كلها أنوارا بعضها فوق بعض ، فبالحري أن تكون نورا على نور ، وهذا مثل قلب المؤمن .



(فصل)

ومثال قلب الكافر هو المشار إليه بقوله تعالى: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض الآية ، فالبحر اللجي هو الدنيا بما فيها من الشهوات المردية والكدورات المعمية ، والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والاشتغال باللذات الحسية ، فبالحري أن يكون هذا الموج مظلما؛ لأن حب الشيء يعمي ويصم ، والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهاة والتكاثر وبالحري أن يكون مظلما؛ لأن الغضب غول العقل ، وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات ، وأغفل عن اللذات ، فإن الشهوة لا تقاوم الغضب الهائج أصلا ، وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة والظنون الكاذبة والخيالات الفاسدة التي صارت حجبا بين الكافر وبين الإيمان ، ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل ، فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس ، وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض ، وإذا كانت الظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة ، فلذلك يحجب الكفار عن معرفة أحوال عجائب النبي - صلى الله عليه وسلم- مع قرب تناوله وظهوره بأدنى تأمل ، فبالحري أن يعبر عنه بأنه إن أخرج يده لم يكد يراها ، وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق، فبالحري أن يعتقد كل موحد أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور .



(فصل) .

ولنختم هذا الكتاب بكلام الإمام قطب الأقطاب أبي الحسن الشاذلي قدس الله سره ، قال في كتاب

[ ص: 315 ] جمع من كلامه على أسرار الطريق ما نصه: قرأت سورة الإخلاص والمعوذتين ذات ليلة ، فلما انتهيت إلى قوله: من شر الوسواس الخناس رأيت بعد ذلك يقال لي: شر الوسواس وسواس يدخل بينك وبين جنبيك يذكرك أعمالك السيئة وينسيك ألطافه الحسنة ، ويكثر لديك ذات الشمال ، ويقلل عندك ذات اليمين ، ليعدل بك عن حسن الظن بالله تعالى وكرمه إلى سوء الظن بالله ورسوله ، فأحذرك هذا الباب ، فقد أخذ منه خلق كثير من العباد والزهاد وأهل الورع والاجتهاد .

وفيه أيضا قال رحمه الله تعالى: إذا كثر عليك الخواطر والوسواس فقل: سبحان الملك الخلاق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز .

وقال رحمه الله تعالى: إن أردت أن تسلم من الوسواس فلا تدبر لغد ولا لبعد غد ، وبه ختمت شرح كتاب عجائب القلب:

* والفكر منقسم والخاطر متشعب * والهم إلى الضرورات الدنيوية منصرف ، وأسأل الله العفو مما طغى به القلم أو زلت به القدم * فإن خوض غمرة الأسرار الإلهية خطير * واستكشاف الأنوار العلوية من وراء الحجب عسير غير يسير * والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث