الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفائدة التاسعة خفة المؤنة

جزء التالي صفحة
السابق

الفائدة التاسعة : خفة المئونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له ، آخذا بمخنقه في كل يوم فيقول : ماذا تأكل اليوم ? فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذل وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس ، وهو غاية الذل والقماءة والمؤمن خفيف المؤنة ، وقال بعض الحكماء : إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي وقال آخر : إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي ، فتركت الشهوة فهي ، خير غريم لي وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقول : إنها غالية . فيقول : أرخصوها بالترك وقال سهل رحمه الله الأكول مذموم في ثلاثة أحوال ; إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات .

وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه .

وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا وسبب حرصهم على الدنيا البطن والفرج ، وسبب شهوة الفرج شهوة البطن وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال كلها وهي أبواب النار ، وفي حسمها فتح أبواب الجنة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : أديموا قرع باب الجنة بالجوع فمن قنع برغيف في كل يوم ، قنع في سائر الشهوات أيضا ، وصار حرا واستغنى عن الناس ، واستراح من التعب وتخلى لعبادة الله عز وجل وتجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة وأما المحتاج فتلهيه لا محالة .

التالي السابق


( الفائدة التاسعة: خفة المؤنة ) للمريد، (فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المريد قدر يسير) أي: قليل، (والذي تعود بالشبع صار بطنه غريما ملازما له، آخذا بمخنقه كل يوم) ، وهو كناية عن تملكه منه بالكلية، كما يتمكن الآخذ بمخنق الإنسان، وهو موضع خنقه، (فيقول: ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج أن يدخل المداخل) من حيث اتفق، (فيكتسب من الحرام فيعصي) الله تعالى، (أو من الحلال فيذل ويتعب) . وقد نهي عن إذلال المؤمن نفسه، (وربما احتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس، وهو غاية الذل والقمأة) ، أي: الحقارة، (والمؤمن) من شأنه أن يكون، (خفيف المؤنة، وقال بعض الحكماء: إني لأقضي عامة حوائجي بالترك) ، فإذا تركتها فكأني قضيتها، (فيكون ذلك أروح لقلبي) . وفي نسخة: لنفسي، فإن الاضطراب إنما يحصل بالتطلع، (وقال آخر: إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة) أقضيها، (أو زيادة) أدخرها، (استقرضت من نفسي، فتركت الشهوة، فهو خير غريم لي) ، فيصير الترك حينئذ والمنع للنفس هكذا عادة، كما كان الأكل والأخذ عادة، كذا في القوت، (وكان إبراهيم بن أدهم ) رحمه الله تعالى (يسأل أصحابه عن سعر المأكولات، فيقال: إنها غالية. فيقول: أرخصوها بالترك) ، وكان ينشد:


فإذا غلا شيء علي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا



أخرجه أبو نعيم في الحلية، (وقال سهل) التستري رحمه الله تعالى: ( الأكول مذموم في ثلاثة أحوال ; إن كان من أهل العبادة فيكسل) ويضعف، (وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات، وإن كان ممن يدخل عليه شيء) من الفيض من غير كسب، (فلا ينصف الله تعالى من نفسه، وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا) وتواثبهم عليها، (وسبب حرصهم على الدنيا البطن والفرج، وسبب شهوة الفرج البطن) ; لأنه هو الذي يجرها، (وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأبواب كلها) ويسدها، (وهي أبواب النار، وفي حسمها فتح أبواب الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: أديموا قرع باب الجنة بالجوع ) ، تقدم هذا الحديث، وأن العراقي قال: لم أقف له على أصل. (فمن قنع برغيف في كل يوم، قنع في سائر الشهوات أيضا، وصار حرا) غير مستعبد ولا مستذل، (واستغنى عن الناس، واستراح من التعب) والمشقة، (وتخلى لعبادة الله) عز وجل في آناء الليل، وأطراف النهار، (وتجارة الآخرة) من العبادة والزهد والقناعة، (فيكون من الذين قال) الله في حقهم: رجال ( لا تلهيهم ) أي: لا تشغلهم ( تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإنما لا تلهيهم تلك لاستغنائهم عنها بالقناعة) ، ولو اتجروا، (وأما المحتاج فتلهيه لا محالة) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث