الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر قتل يزيد بن الوليد وكيف قتل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له : الناقص . للوليد بن يزيد وكيف قتل

قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته ، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ، ولما ولي الخلافة وأفضت إليه لم [ ص: 175 ] يزدد في الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب إلى الصيد وشرب المسكر ومنادمة الفساق ، إلا تماديا وجدا ، فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده ، وكرهوه كراهة شديدة ، وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه ، إفساده على نفسه بني عميه هشام ، والوليد مع إفساده اليمانية وهم عظم جند خراسان ; وذلك أنه لما قتل خالد بن عبد الله القسري وسلمه إلى غريمه يوسف بن عمر الذي هو نائب العراق إذ ذاك ، فلم يزل يعاقبه حتى هلك ، انقلبوا عليه وتنكروا له ، وساءهم قتله ، كما سنذكره في ترجمته .

ثم روى ابن جرير بسنده ، أن الوليد بن يزيد ضرب ابن عمه سليمان بن هشام مائة سوط ، وحلق رأسه ولحيته ، وغربه إلى عمان ، فحبسه بها ، فلم يزل هناك حتى قتل الوليد وأخذ جارية كانت لآل عمه الوليد بن عبد الملك ، فكلمه فيها عمر بن الوليد فقال : لا أردها . فقال : إذن تكثر الصواهل حول عسكرك . وحبس الأفقم يزيد بن هشام وبايع لولديه الحكم وعثمان وكانا دون البلوغ ، فشق ذلك على الناس أيضا ، ونصحوه فلم ينتصح ، ونهوه فلم يرتدع ولم يقبل .

قال المدائني في روايته : ثقل ذلك على الناس ، ورماه بنو هشام وبنو [ ص: 176 ] الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه ، وقالوا : قد اتخذ مائة جامعة ، على كل جامعة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها ، ورموه بالزندقة ، وكان أشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان الناس إلى قوله أميل ; لأنه أظهر النسك والتواضع ، وجعل يقول : ما يسعنا الرضا بالوليد . حتى حمل الناس على الفتك به .

قالوا : وانتدب للقيام عليه جماعة من قضاعة واليمانية وخلق من أعيان الأمراء وآل الوليد بن عبد الملك ، وآل هشام بن عبد الملك ، وكان القائم بأعباء ذلك كله والداعي إليه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وهو من سادات بني أمية وكان ينسب إلى الصلاح والدين والورع ، فبايعه الناس على ذلك ، وقد نهاه عن ذلك أخوه العباس بن الوليد فلم يقبل ، فقال : والله لولا أني أخاف عليك الوليد لقيدتك وأرسلتك إليه . واتفق خروج الناس من دمشق من وباء وقع بها ، فكان ممن خرج الوليد بن يزيد أمير المؤمنين في طائفة من أصحابه نحو المائتين ، إلى ناحية مشارف دمشق ، فانتظم ليزيد بن الوليد أمره ، وجعل أخوه العباس ينهاه عن ذلك أشد النهي ، فلا يقبل ، فقال العباس في ذلك :

[ ص: 177 ]

إني أعيذكم بالله من فتن مثل الجبال تسامى ثم تندفع     إن البرية قد ملت سياستكم
فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا     لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم
إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا     لا تبقرن بأيديكم بطونكم
فثم لا حسرة تغني ولا جزع

فلما استوسق ليزيد بن الوليد أمره ، وبايعه من بايعه من الناس ، قصد دمشق فدخلها في غيبة الوليد فبايعه أكثر أهلها في الليل ، وبلغه أن أهل المزة قد بايعوا كبيرهم معاوية بن مصاد فمضى إليه يزيد ماشيا في نفر من أصحابه ، فأصابهم في الطريق مطر شديد ، فأتوه فطرقوا بابه ليلا ، ثم دخلوا ، فكلمه يزيد في ذلك ، فبايعه معاوية بن مصاد ثم رجع يزيد من ليلته إلى دمشق على طريق القناة وهو على حمار أسود ، فحلف أصحابه أنه لا يدخل دمشق إلا في السلاح ، فلبس سلاحا من تحت ثيابه فدخلها ، وكان الوليد قد استناب على دمشق في غيبته عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي وقد خرج منها أيضا من الوباء فهو مقيم بقطنا واستخلف ابنه على دمشق ، وعلى شرطتها أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي ، فلما كان ليلة الجمعة اجتمع أصحاب يزيد بين العشائين عند باب الفراديس فلما أذن لعشاء الآخرة دخلوا المسجد ، فلما لم يبق في المسجد غيرهم بعثوا إلى يزيد بن الوليد [ ص: 178 ] فجاءهم ، فقصدوا باب المقصورة ففتح لهم خادم ، فدخلوا فوجدوا أبا العاج وهو سكران ، فأخذوه وأخذوا خزان بيت المال ، وتسلموا الحواصل ، وتقووا بالأسلحة ، وأمر يزيد بإغلاق أبواب البلد ، وأن لا يفتح إلا لمن يعرف ، فلما أصبح الناس قدم أهل الحواضر من كل جانب ، فدخلوا من سائر أبواب البلد ، كل أهل محلة من الباب الذي يليهم ، فكثرت الجيوش حول يزيد بن الوليد بن عبد الملك في نصرته ، وكلهم قد بايعه بالخلافة . وقد قال بعض الشعراء في ذلك :


فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا     سكاسكها أهل البيوت الصنادد
وكلب فجاءوهم بخيل وعدة     من البيض والأبدان ثم السواعد
فأكرم بها أحياء أنصار سنة     هم منعوا حرماتها كل جاحد
وجاءتهم شعبان والأزد شرعا     وعبس ولخم بين حام وذائد
وغسان والحيان قيس وتغلب     وأحجم عنها كل وان وزاهد
فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها     قد استوثقوا من كل عات ومارد

وبعث يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس إلى قطنا ليأتوه بعبد الملك بن محمد بن الحجاج نائب دمشق ، وله الأمان ، وكان قد تحصن في قصر هناك ، فدخلوا عليه ، فوجدوا عنده خرجين ; في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار ، فلما مروا بالمزة قال أصحاب ابن مصاد : [ ص: 179 ] خذ هذا المال فهو خير لك من يزيد بن الوليد . فقال : لا والله ، لا تحدث العرب أني أول من خان . ثم أتوا به يزيد بن الوليد فاستخدم من ذلك المال جندا للقتال قريبا من ألفي فارس ، وبعث بهم مع أخيه عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك خلف الوليد بن يزيد ليأتوا به ، وركب بعض موالي الوليد فرسا سابقا ، فساق به حتى انتهى إلى مولاه من الليل وقد نفق الفرس ، فأخبره الخبر فلم يصدقه ، وأمر بضربه ، ثم تواترت عليه الأخبار ، فأشار عليه بعض أصحابه أن يتحول من منزله ذاك إلى حمص ، فإنها حصينة ، وقال الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي : انزل على قومي بتدمر . فأبى أن يقبل شيئا من ذلك ، بل ركب بمن معه وهو في مائتي فارس ، وقصده أصحاب يزيد فالتقوا بثقله في أثناء الطريق فأخذوه ، وجاء الوليد فنزل حصن البخراء الذي كان للنعمان بن بشير وجاءه رسول العباس بن الوليد : إني آتيك . وكان من أنصاره ، فأمر الوليد بإبراز سريره ، فجلس عليه وقال : أعلي يتوثب الرجال ، وأنا أثب على الأسد ، وأتخصر الأفاعي ؟! وقدم عبد العزيز بن الوليد بمن معه ، وإنما كان قد خلص معه من الألفي فارس ثمانمائة فارس ، فتصافوا فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل من أصحاب العباس جماعة ، حملت رءوسهم إلى الوليد ، وقد كان جاء العباس بن الوليد لنصر الوليد بن يزيد فبعث إليه أخوه عبد العزيز فجيء به إليه قهرا حتى بايع لأخيه يزيد بن الوليد واجتمعوا [ ص: 180 ] على حرب الوليد بن يزيد فلما رأى الناس اجتماعهم فروا من الوليد إليهم ، وبقي الوليد في ذل وقل من الناس ، فلجأ إلى الحصن فجاءوا إليه ، وأحاطوا به من كل جانب يحاصرونه ، فدنا الوليد من باب الحصن فنادى : ليكلمني رجل شريف . فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي ، فقال الوليد : ألم أرفع المؤن عنكم ؟ ألم أعط فقراءكم ؟ ألم أخدم زمناكم ؟ فقال له يزيد : إنما ننقم عليك انتهاك المحارم ، وشرب الخمور ، ونكاح أمهات أولاد أبيك ، واستخفافك بأمر الله عز وجل . فقال : حسبك يا أخا السكاسك ، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت ، وإن فيما أحل الله لي لسعة عما ذكرت . ثم قال : أما والله لئن قتلتموني لا يرتق فتقكم ، ولا يلم شعثكم ، ولا تجتمع كلمتكم . ورجع إلى الدار ، فجلس ووضع بين يديه مصحفا ، فنشره وأقبل يقرأ فيه ، وقال : يوم كيوم عثمان . واستسلم وتسور عليه أولئك الحائط ، فكان أول من نزل إليه يزيد بن عنبسة فتقدم إليه وإلى جانبه سيفه فقال : نحه عنك . فقال الوليد : لو أردت القتال به لكان غير هذا . فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه حتى يبعث به إلى يزيد بن الوليد فبادره عليه عشرة من الأمراء ، فأقبلوا على الوليد يضربونه على رأسه ووجهه بالسيوف حتى قتلوه ، ثم جروه برجله ليخرجوه ، فصاحت النسوة ، فتركوه ، واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه ، وخاطوا ما كان جرح في وجهه بعقب ، وبعثوا به إلى يزيد مع [ ص: 181 ] عشرة نفر ، منهم منصور بن جمهور ، وروح بن مقبل ، وبشر مولى كنانة من بني كلب ، وعبد الرحمن الملقب بوجه الفلس ، فلما انتهوا إليه بشروه بقتل الوليد وسلموا عليه بالخلافة ، فأطلق لكل رجل من العشرة عشرة آلاف ، وقال له روح بن مقبل : أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد الفاسق . فسجد شكرا لله ، عز وجل ، ورجعت الجيوش إلى يزيد فكان أول من أخذ يده للمبايعة يزيد بن عنبسة السكسكي فانتزع يده من يده ، وقال : اللهم إن كان هذا رضا لك فأعني عليه . وكان قد جعل لمن جاءه برأس الوليد مائة ألف درهم ، فلما جيء به ، وكان ذلك ليلة الجمعة ، وقيل : يوم الأربعاء . لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة ، سنة ست وعشرين ومائة ، فأمر يزيد بنصب رأسه على رمح ، وأن يطاف به في البلد ، فقيل له : إنما ينصب رأس الخارجي . فقال : والله لأنصبنه . فشهره في البلد على رمح ، ثم أودعه عند رجل شهرا ، ثم بعث به إلى أخيه سليمان بن يزيد ، فقال أخوه : بعدا له ، أشهد أنك كنت شروبا للخمر ماجنا فاسقا ، ولقد أرادني على نفسي الفاسق . وقد قيل : إن رأسه لم يزل معلقا بحائط جامع دمشق الشرقي مما يلي الصحن ، حتى انقضت دولة بني أمية . وقيل : إنما كان ذلك أثر دمه . وكان عمره يوم قتل [ ص: 182 ] ستا وثلاثين سنة . وقيل : ثمانيا وثلاثين . وقيل : إحدى - وقيل : ثنتان . وقيل : خمس . وقيل : ست - وأربعون سنة . ومدة ولايته سنة وستة أشهر على الأشهر . وقيل : وثلاثة أشهر .

قال ابن جرير : كان شديد البطش ، طويل أصابع الرجلين ، كانت تضرب له سكة الحديد في الأرض ، ويربط فيها خيط إلى رجله ، ثم يثب على الفرس ، فيركبها ، ولا يمس الفرس ، فتنقلع تلك السكة من الأرض مع وثبته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث