الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 188 ] وممن توفي فيها من الأعيان :

الحسن بن حمويه بن الحسين ، القاضي الإستراباذي

روى الكثير ، وحدث ، وكان له مجلس للإملاء ، وحكم ببلده مدة طويلة ، وكان من المتهجدين بالأسحار ، ويضرب به المثل في مروءته ووجاهته ، وقد مات فجأة على صدر جاريته عند إنزاله ، رحمه الله .

عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله ، أبو عبد الله الختلي

سمع ابن أبي الدنيا وغيره ، وحدث عنه الدارقطني وخلق ، وكان ثقة ثبتا حافظا ، حدث من حفظه بخمسين ألف حديث .

عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم أبو محمد الكلبي

الملقب بديك الجن
، الشاعر الماجن الشيعي ، ويقال : إنه من موالي بني تميم . وكانت له أشعار قوية خمارية وغير خمارية ، وقد استجاد أبو نواس من شعره في الخماريات .

[ ص: 189 ] علي بن عيسى بن داود بن الجراح ، أبو الحسن الوزير

وزر للمقتدر والقاهر ، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين ، وسمع الكثير ، وعنه الطبراني وغيره ، وكان ثقة ثبتا فاضلا عفيفا ، كثير التلاوة والصلاة والصيام ، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم ، وكان أصله من الفرس وكان من أكبر القائمين على الحلاج

وقد روي عنه أنه قال : ملكت سبعمائة ألف دينار ، أنفقت منها في وجوه الخير ستمائة ألف وثمانين ألفا .

ولما دخل مكة حين نفي من بغداد طاف بالبيت وبالصفا والمروة ، وكان حر شديد ، فجاء المنزل ، فألقى نفسه كالميت ، وقال : أشتهي على الله شربة بثلج . فقال له بعض أصحابه : إن هذا مما لا يتهيأ هاهنا . فقال : أعرف ، ولكني استروحت إلى المنى . فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابة فأمطرت ، ثم سقط برد شديد كثير ، فجمع له صاحبه ذاك من البرد شيئا كثيرا وخبأه له ، وكان الوزير صائما ، فلما أمسى جاء المسجد ، فأقبل إليه صاحبه بأنواع من الأشربة كلها بثلج ، فجعل يسقيه من حوله من الصوفية والمجاورين ولم يشرب هو شيئا من ذلك ، فلما رجع إلى المنزل ، جئته بشيء من ذلك الشراب كنا قد [ ص: 190 ] خبأناه له ، وأقسمت عليه ليشربنه ، فشربه بعد جهد ، وقال : كنت أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة . رحمه الله وغفر له .

ومن شعر الوزير أبي الحسن علي بن عيسى قوله :


فمن كان عني سائلا بشماتة لما نابني أو شامتا غير سائل     فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة
صبورا على أهوال تلك الزلازل

وقد روى أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، عن أبيه ، عن جماعة ، أن عطارا من أهل الكرخ كان مشهورا بالسنة ، ركبه ستمائة دينار دينا ، فغلق دكانه ، وانكسر عن كسبه ، ولزم منزله ، وأقبل على الدعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة ، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له : اقصد علي بن عيسى الوزير ، فقد أمرته لك بأربعمائة دينار . فلما أصبح الرجل قصد باب الوزير ، فلم يعرفه أحد ، فجلس لعل أحدا يستأذن له عليه حتى طال عليه المجلس ، وهم بالانصراف ، ثم إنه قال لبعض الحجبة : قل للوزير : إني رجل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، وأنا أريد أن أقصه على الوزير ، فقال له الحاجب : وأنت الرائي ؟ إن الوزير قد أنفذ في طلبك رسلا متعددة . ثم دخل ، فما كان بأسرع من أن أدخلني عليه ، فأقبل عليه الوزير يستعلم عن اسمه وصفته ومنزله ، فذكر ذلك له ، فقال له الوزير : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرني [ ص: 191 ] بإعطائك أربعمائة دينار ، فأصبحت لا أدري من أسأل عنك ، وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عدة من الرسل ، فجزاك الله خيرا في قصدك إياي . ثم أمر بإحضار ألف دينار ، فقال : هذه أربعمائة دينار لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وستمائة هبة من عندي . فقال الرجل : لا والله لا أزيد على ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أرجو الخير والبركة فيه ، ثم أخذ منها أربعمائة دينار ، فقال الوزير : هذا هو الصدق واليقين . فخرج الرجل ، فعرض على أرباب الديون أموالهم ، فقالوا : نحن نصبر عليك ثلاث سنين ، وافتح بهذا الذهب دكانك ، ودم على كسبك . فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث ، فدفع إليهم مائتي دينار ، وفتح الدكان بالمائتين الأخرى ، فما حال الحول حتى كسب ألف دينار .

ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة . وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة ، ويقال : في التي قبلها ، والله أعلم .

محمد بن إسماعيل بن إسحاق بن بحر ، أبو عبد الله الفارسي

الفقيه الشافعي ، كان ثقة ثبتا فاضلا ، سمع أبا زرعة الدمشقي وغيره ، وعنه الدارقطني وغيره ، وآخر من حدث عنه أبو عمر بن مهدي . وكانت وفاته في شوال من هذه السنة .

هارون بن محمد بن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن [ ص: 192 ] يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تيم بن صبح بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة أبو جعفر ، والد القاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون .

كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان ، ويزيد بن جابر أدركه الإسلام ، فأسلم وحسن إسلامه ، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عمان فنزل بغداد وحدث بها وروى عنه ابنه ، وكان فاضلا متضلعا من كل فن ، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الفنون ، ونفقاته دارة عليهم ، وكانت له منزلة عالية ، ومهابة وافرة ببغداد ، وقد أثنى عليه الدارقطني ثناء كثيرا ، وقال : كان مبرزا في النحو واللغة والشعر ومعاني القرآن والكلام .

قال ابن الأثير : وفيها توفي أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن صول الصولي ، وكان عالما بفنون الآداب والأخبار . وإنما ذكره ابن الجوزي في التي بعدها ، كما سيأتي .

أبو العباس بن القاص أحمد بن أبي أحمد الطبري الفقيه الشافعي ، [ ص: 193 ] تلميذ ابن سريج ، له كتاب " التلخيص " ، وكتاب " المفتاح " وهو مختصر ، شرحه أبو عبد الله الختن وأبو علي السنجي أيضا ، وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار ، وأما هو فتولى قضاء طرسوس وكان يعظ الناس أيضا ، فحصل له خشوع ، فسقط مغشيا عليه ، فمات في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . وقيل : سنة ست وثلاثين . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث