الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وقعة شقحب

أصبح الناس يوم السبت على ما كانوا عليه من شدة الحال ، وضيق الأمر ، فرأوا من المآذن سوادا وغبرة من ناحية العسكر والعدو ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم ، فابتهلوا إلى الله عز وجل بالدعاء في الجامع والبلد ، وطلع النساء والصغار على الأسطحة ، وكشفوا رءوسهم ، وضج البلد ضجة عظيمة ، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير ، ثم سكن الناس ، فلما كان بعد الظهر ، قرئت بطاقة بالجامع تتضمن : أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصفر ، وفيها طلب الدعاء من الناس ، والأمر بحفظ القلعة ، والتحرز على الأسوار ، فدعا الناس في المآذن [ ص: 27 ] والبلد ، وانقضى النهار ، وكان يوما مزعجا هائلا .

وأصبح الناس يوم الأحد يتحدثون بكسر التتر ، وخرج ناس إلى ناحية الكسوة ، فرجعوا ومعهم شيء من المكاسب ، ورءوس التتر ، وصارت أدلة كسرة التتر تقوى وتتزايد قليلا ، حتى اتضحت جملة ، ولكن الناس لما عندهم من شدة الخوف ، وكثرة التتر لا يصدقون ، فلما كان بعد الظهر ، قرئ كتاب السلطان إلى متولي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشقحب وبالكسوة ، ثم جاءت بطاقة بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الأفرم إلى نائب القلعة ، مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد ، وأن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلا ونهارا ، وأنهم هربوا وفروا ، واعتصموا بالجبال والتلال ، وأنه لم يسلم منهم إلا القليل ، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم ، وتباشروا بهذا الفتح العظيم والنصر المبارك ، ودقت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور ، ونودي بعد الظهر بإخراج الجفال من القلعة لأجل نزول السلطان ، فشرعوا في الخروج .

وفي يوم الاثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر . وفيه دخل الشيخ تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه ، من الجهاد ، ففرح الناس به ، ودعوا له ، وهنئوه بما يسر الله على يديه من الخير ، وذلك أنه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق ، فسار إليه ، فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر ، فجاء هو وإياه جميعا ، فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال ، فقال له الشيخ : السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه ، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم ، وحرض السلطان على القتال ، وبشره بالنصر ، وجعل يحلف له بالله الذي لا إله إلا هو : [ ص: 27 ] إنكم منصورون عليهم في هذه المرة ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا ، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم ، وأفطر هو أيضا ، وكان يدور على الأطلاب والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ، ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل ، فيأكل الناس ، وكان يتأول في الشاميين قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنكم ملاقو العدو غدا ، والفطر أقوى لكم فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري ، وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان ، ولما اصطفت العساكر ، والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما ، وأمر بجواده فقيد حتى لا يهرب ، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف ، وجرت خطوب عظيمة ، وقتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ ، منهم الأمير حسام الدين لاجن الرومي أستادار السلطان ، وثمانية من المقدمين معه ، وصلاح الدين بن الملك الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل ، وخلق من كبار الأمراء ، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ ، واستظهر المسلمون عليهم ، ولله الحمد والمنة .

فلما جاء الليل لجأ التتر إلى اقتحام التلول والجبال والآكام ، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر ، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله عز وجل ، وجعلوا يجيئون بهم في الحبال ، فتضرب أعناقهم ، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة ، فنجا منهم قليل ، ثم [ ص: 29 ] كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك ، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام ، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة ، ولله الحمد والمنة .

ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان ، وبين يديه الخليفة ، وزينت البلد ، وفرح كل واحد من أهل الجمعة والسبت والأحد ، فنزل السلطان في القصر الأبلق والميدان ، ثم إنه تحول إلى القلعة يوم الخميس ، وصلى بها الجمعة ، وخلع على نواب البلاد ، وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم ، واستقرت الخواطر ، وذهب اليأس ، وطابت قلوب الناس ، وعزل السلطان ابن النحاس عن ولاية المدينة ، وجعل مكانه الأمير علاء الدين أيدغدي أمير علم ، وعزل صارم الدين إبراهيم والي الخاص عن ولاية البر ، وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير ، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان ، وعيد بدمشق . وطلب الصوفية من نائب دمشق الأفرم أن يولي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي ، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضا عن ناصر الدين بن عبد السلام ، ودخل السلطان القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال ، وكان يوما مشهودا ، وزينت القاهرة .

وفيها جاءت زلزلة عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ، وكان جمهورها بالديار المصرية ، تلاطمت بسببها البحار ، فكسرت المراكب ، وتهدمت الدور ، ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، وتشققت الحيطان ، ولم ير مثلها في هذه الأعصار ، وكان منها بالشام طائفة ، لكن كان ذلك أخف من سائر البلاد غيرها .

وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد بن الحاج الإشبيلي المالكي إمامة محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصنهاجي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث