الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة

[ ص: 589 ] ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة ، استسقاؤه عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل لأمته حين تأخر المطر ، فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته عليه الصلاة والسلام وكذلك استصحاؤه

قال البخاري : ثنا عمرو بن علي ، ثنا أبو قتيبة ، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب :


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

قال البخاري : وقال أبو عقيل الثقفي ، عن عمر بن حمزة ، ثنا سالم عن أبيه : ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب :


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وهو قول أبي طالب : تفرد به البخاري . وهذ الذي علقه قد أسنده ابن ماجه في " سننه " فرواه عن أحمد بن الأزهر ، عن أبي النضر ، عن أبي عقيل ، عن عمر بن حمزة ، عن سالم عن أبيه .

[ ص: 590 ] وقال البخاري : ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة ، ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ، فقال يا رسول الله هلكت الأموال ، وتقطعت السبل ، فادع الله لنا يغيثنا . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : " اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا " قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا ، ولا بيننا وبين سلع من بيت ولا دار . قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت . قال : فوالله ما رأينا الشمس سبتا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبله قائما ، وقال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ادع الله أن يمسكها . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : " اللهم حوالينا ، ولا علينا ، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ، منابت الشجر " قال : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس . قال شريك : فسألت أنسا : أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري . وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم ، من حديث إسماعيل بن جعفر ، عن شريك به .

[ ص: 591 ] وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال : يا رسول الله ، قحط المطر ، فادع الله أن يسقينا . فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا ، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة . قال : فقام ذلك الرجل أو غيره ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يصرفه عنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم حوالينا ، ولا علينا " . قال : فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا ، يمطرون ولا يمطر أهل المدينة . تفرد به البخاري من هذا الوجه .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت المواشي ، وتقطعت السبل ، فادع الله . فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ، ثم جاء فقال : تهدمت البيوت ، وتقطعت السبل ، وهلكت المواشي فادع الله أن يمسكها فقام صلى الله عليه وسلم فقال : " اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر " فانجابت عن المدينة انجياب الثوب .

وقال البخاري : ثنا محمد بن مقاتل ، ثنا عبد الله ، ثنا الأوزاعي ، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ، حدثني أنس بن مالك قال : أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على [ ص: 592 ] المنبر يوم الجمعة فقام أعرابي فقال : يا رسول الله هلك المال ، وجاع العيال ، فادع الله لنا أن يسقينا . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، وما في السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته . قال : فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال : يا رسول الله ، تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله لنا . فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : اللهم حوالينا ولا علينا قال : فما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت ، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة ، حتى سال الوادي ، وادي قناة ، شهرا ، قال : فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود . ورواه البخاري أيضا في الجمعة ، ومسلم من حديث الوليد ، عن الأوزاعي .

وقال البخاري : وقال أيوب بن سليمان : حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال قال : قال يحيى بن سعيد : سمعت أنس بن مالك قال : أتى [ ص: 593 ] رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال : يا رسول الله هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس . فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون . قال فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى ، فأتى الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق .

قال البخاري : وقال الأويسي يعني عبد العزيز بن عبد الله : حدثني محمد بن جعفر هو ابن أبي كثير ، عن يحيى بن سعيد وشريك ، سمعا أنسا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه . هكذا علق هذين الحديثين ، ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية .

وقال البخاري : ثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا معتمر ، عن عبيد الله ، عن ثابت عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فقام الناس [ ص: 594 ] فصاحوا ، فقالوا : يا رسول الله ، قحط المطر ، واحمرت الشجر ، وهلكت البهائم فادع الله أن يسقينا . فقال : " اللهم اسقنا " مرتين ، وايم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب ، فأنشأت سحابة فأمطرت ، ونزل عن المنبر فصلى ، ثم انصرف ولم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه : تهدمت البيوت وانقطعت السبل ، فادع الله يحبسها عنا . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " اللهم حوالينا ولا علينا " فكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها وما تمطر بالمدينة قطرة ، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل . وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله ، وهو ابن عمر العمري ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد قال : سئل أنس : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ؟ فقال : قيل له يوم جمعة : يا رسول الله ، قحط المطر ، وأجدبت الأرض ، وهلك المال . قال : فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى ، ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة ، فما قضينا الصلاة حتى إن قريب الدار الشاب ليهمه الرجوع إلى أهله . قال : فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا : يا رسول الله ، تهدمت البيوت واحتبس الركبان . فتبسم [ ص: 595 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرعة ملالة ابن آدم ، وقال اللهم حوالينا ، ولا علينا قال : فتكشطت عن المدينة . وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه .

وقال البخاري وأبو داود واللفظ له : ثنا مسدد ، ثنا حماد بن زيد ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ، ويونس بن عبيد ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله عنه ، قال : أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال : يا رسول الله هلكت الكراع هلكت الشاء ، فادع الله أن يسقينا . فمد يديه ودعا . قال أنس : وإن السماء لمثل الزجاجة ، فهاجت ريح ، ثم أنشأت سحابة ، ثم اجتمعت ، ثم أرسلت السماء عزاليها ، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا ، فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى ، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال : يا رسول الله ، تهدمت البيوت ، فادع الله أن يحبسه . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : حوالينا ، ولا علينا فنظرت إلى السماء والسحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل . فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك ، وإنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن .

[ ص: 596 ] وقال البيهقي بإسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد بن خثيم الهلالي ، عن مسلم الملائي ، عن أنس بن مالك قال : جاء أعرابي فقال : يا رسول الله ، والله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي يصيح ، وأنشد :


أتيناك والعذراء يدمى لبانها     وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة     من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا     سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا     وأين فرار الناس إلا إلى الرسل

قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال " اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، مريئا ، مريعا ، سريعا ، غدقا طبقا ، عاجلا غير رائث ، نافعا غير ضار ، تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها ، وكذلك تخرجون " . قال فوالله ما رد يديه [ ص: 597 ] إلى نحره حتى ألقت السماء بأرواقها ، وجاء أهل البطانة يضجون : يا رسول الله ، الغرق الغرق . فرفع يديه إلى السماء ، وقال : " اللهم حوالينا ، ولا علينا " فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله در أبي طالب لو كان حيا قرتا عيناه من ينشد قوله ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله كأنك أردت قوله :


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم     فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا     ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله     ونذهل عن أبنائنا والحلائل

قال : وقام رجل من كنانة فقال :


لك الحمد والحمد ممن شكر     سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة     إليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلف الرداء     وأسرع حتى رأينا الدرر
[ ص: 598 ] دفاق العزالي عم البقاع     أغاث به الله عليا مضر
وكان كما قاله عمه     أبو طالب أبيض ذو غرر
به الله يسقي صوب الغمام     وهذا العيان لذاك الخبر
فمن يشكر الله يلق المزيد     ومن يكفر الله يلقى الغير

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت "
وهذا السياق فيه غرابة ، ولا يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس ؛ فإن كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم .

وقال الحافظ البيهقي : أنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني ، ثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا عبد الله بن مصعب ، ثنا عبد الجبار ، ثنا مروان بن معاوية ، ثنا محمد بن أبي ذئب المدني ، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحي ، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا ، فيهم خارجة بن [ ص: 599 ] حصن ، والحر بن قيس ، وهو أصغرهم ، ابن أخي عيينة بن حصن ، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار ، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقرين بالإسلام فسألهم ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن بلادهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أسنتت بلادنا ، وأجدب جنابنا ، وعريت عيالنا ، وهلكت مواشينا ، فادع ربك أن يغيثنا ، وتشفع لنا إلى ربك ، ويشفع ربك إليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبحان الله ، ويلك هذا ، أنا شفعت إلى ربي ، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه ؟! لا إله إلا الله وسع كرسيه السماوات والأرض ، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد " قال رسول الله صلى الله عليه ، وسلم " إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم " فقال الأعرابي : ويضحك ربنا يا رسول الله ؟! قال : " نعم " . فقال الأعرابي : لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ، وتكلم بكلام ورفع يديه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء ، رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ، وكان مما حفظ من دعائه : " اللهم اسق بلدك ، [ ص: 600 ] وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا ، طبقا واسعا ، عاجلا غير آجل ، نافعا غير ضار ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق ، اللهم اسقنا الغيث ، وانصرنا على الأعداء " . فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال : يا رسول الله ، التمر في المرابد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اسقنا " فقال أبو لبابة : التمر في المرابد . ثلاث مرات . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره " قال : فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب ، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار ، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ، وهم ينظرون ، ثم أمطرت ، فوالله ما رأوا الشمس سبتا ، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه ، فقال الرجل : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل . فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ، ثم قال " اللهم حوالينا ، ولا علينا ، على الآكام والظراب وبطون الأودية ، ومنابت الشجر " فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب وهذا السياق يشبه سياق مسلم الملائي ، عن أنس ولبعضه شاهد في " سنن أبي داود " ، وفي [ ص: 601 ] حديث أبي رزين العقيلي شاهد لبعضه أيضا . والله أعلم .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن المؤمل ، أنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ ، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، ثنا محمد بن حماد الطهراني ، أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبدويه ، عن عبد الله بن عبد الله أبي أويس المدني ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال : استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة ، فقال : " اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا " . فقام أبو لبابة فقال : يا رسول الله ، إن التمر في المرابد ، وما في السماء من سحاب نراه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اسقنا " . فقام أبو لبابة فقال : يا رسول الله ، إن التمر في المرابد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اسقنا ، حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره " . فاستهلت السماء ومطرت ، وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أطافالأنصار بأبي لبابة يقولون له : يا أبا لبابة ، إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب [ ص: 602 ] مربدك بإزارك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره ، فأقلعت السماء . وهذا إسناد حسن ، ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب . والله أعلم .

وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق ، كما قال عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير ، عن عبد الله بن عباس ، أنه قيل لعمر بن الخطاب : حدثنا عن شأن ساعة العسرة . فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع الله لنا . فقال " أوتحب ذلك ؟ " قال : نعم . قال : فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . وهذا إسناد جيد قوي ، ولم يخرجوه .

[ ص: 603 ] وقد قال الواقدي : قد كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ، ومثلها من الخيل ، وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة . قال : ونزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض ، وذلك في حمارة القيظ . أي شدة الحر البليغ ، فصلوات الله وسلامه عليه .

وكم له عليه الصلاة والسلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ، ولله الحمد . وقد تقدم أنه لما دعا علىقريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعا كسبع يوسف ، فأصابتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز ، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم ، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم .

وقد قال البخاري : ثنا الحسن بن محمد ، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا أبي عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس بن مالك ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ، وقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا . قال فيسقون . تفرد به البخاري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث