الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز تاج بني أمية

قد تقدم حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بعد هذا الخير من شر؟ قال : " نعم " . قلت وهل بعد ذلك الشر من [ ص: 257 ] خير؟ قال : " نعم وفيه دخن " . قلت : وما دخنه؟ قال : " قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر الحديث ، فحمل البيهقي ، وغيره هذا الخبر الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز .

وروى عن الحاكم ، عن الأصم ، عن العباس بن الوليد بن مزيد ، عن أبيه قال : سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر الذي يكون بعد ذلك الخير ، فقال الأوزاعي : هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الأوزاعي : وفي مسألة حذيفة : فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : " نعم ، وفيه دخن " . قال الأوزاعي : فالخير الجماعة ، وفي ولاتهم من تعرف سيرته ، وفيهم من تنكر سيرته . قال : فلم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتالهم ما صلوا الصلاة .

وروى أبو داود الطيالسي ، عن داود الواسطي ، وكان ثقة‏ ، عن حبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير بن سعد ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 258 ] " إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ، ثم تكون جبرية ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة قال : فقدم عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان ، فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبت إليه أقول : إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الجبرية . قال : فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه .

وقال نعيم بن حماد : حدثنا روح بن عبادة ، عن سعيد بن أبي عروبة : عن قتادة قال : قال عمر بن عبد العزيز : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فقال لي " ادنه " . فدنوت حتى قمت بين يديه ، فرفع بصره إلي وقال : " أما إنك ستلي أمر هذه الأمة ، وستعدل عليهم " . وسيأتي في الحديث الآخر ، إن شاء الله; أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وقد قال كثير من الأئمة : إنه عمر بن عبد العزيز ; فإنه توفي سنة إحدى ومائة .

[ ص: 259 ] وقال البيهقي : أنا الحاكم ، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقرئ ، ثنا أبو عيسى ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين ، يلي فيملأ الأرض عدلا . قال نافع من قبله : ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد . ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول : ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة ، يملأ الأرض عدلا؟ وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا ، وقد كان هذا الأمر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية; أنه يلي رجل من بني أمية يقال له : أشج بني مروان .

وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر ، وكان يكرم عبد الله بن عمر ، ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها ، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذها . وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صغير ، [ ص: 260 ] فرمحه فرس فشجه في جبينه ، فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول : أما لئن كنت أشج بني مروان ، إنك إذا لسعيد . وكان الناس يقولون : الأشج والناقص أعدل بني مروان; فالأشج هو عمر بن عبد العزيز ، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، الذي يقول فيه الشاعر :


رأيت اليزيد بن الوليد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله

قلت : وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا ، فملأ الأرض عدلا ، وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطي صدقته . وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم ، على أيام عمر بن عبد العزيز ، ، وعندي في ذلك نظر . والله أعلم .

وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أبو معن [ ص: 261 ] الأنصاري ما أسنده ، قال : بينما عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال : علي بمحفار . فقالوا : نكفيك ، أصلحك الله . قال : لا . ثم أخذه فحفر له ، ثم لفه في خرقة ودفنه ، فإذا هاتف يهتف لا يرونه : رحمة الله عليك يا سرق . فقال له عمر بن عبد العزيز : من أنت؟ يرحمك الله . قال : أنا رجل من الجن ، وهذا سرق ولم يبق ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيره ، وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " تموت يا سرق بفلاة من الأرض ، ويدفنك خير أمتي وقد روى هذا من وجه آخر ، وفيه أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه ، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز . وقد رجحه البيهقي وحسنه . فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث