الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري رضي الله عنه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 673 ]

وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري ، رضي الله عنه

قد تقدم أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان ، وكان يصلى عنه إذا اشتغل أو غاب ، ويقيم الحدود ، ويسد الأمور ، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه ، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد ، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه أهل دمشق حتى يجتمع الناس على إمام ، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له ، فخطب الناس يوما وتكلم في يزيد بن معاوية وذمه ، فقامت فتنة في المسجد الجامع ، حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف ، فسكن الناس ، ثم دخل دار الإمارة من الخضراء ، وأغلق عليه الباب ، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل وهو بالأردن ، فيجتمعوا عنده على من يراه أهلا للإمارة على الناس ، وكان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد ، ويزيد ابن ميسون ، وميسون بنت بحدل ، فلما ركب الضحاك معهم انخذل بأكثر الجيش ، فرجع إلى دمشق ، فامتنع بها ، وبعث إلى أمراء الأجناد ، فبايعهم لابن الزبير ، وسار بنو أمية ومعهم مروان بن الحكم ، وعمرو بن سعيد ، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية ، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بن بحدل بالجابية ، وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس ، فعزم مروان على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعه ، ويأخذ أمانا منه لبني أمية ، فإنه كان قد أمر [ ص: 674 ] بإجلائهم عن المدينة ، فسار حتى وصل إلى أذرعات ، فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق ، فاجتمع به ، ومعه حصين بن نمير ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، فحسنوا له أن يدعو إلى نفسه ; فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة ، وخلع ثلاثة من الخلفاء ، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك ، وقال له عبيد الله بن زياد : وأنا أذهب لك إلى الضحاك إلى دمشق ، فأخدعه لك وأخذل أمره . فسار إليه وجعل يركب إليه كل يوم ، ويظهر له الود والنصيحة والمحبة ، ثم حسن له أن يدعو إلى نفسه ، ويخلع ابن الزبير ، فإنك أحق بالأمر منه ; لأنك لم تزل في الطاعة مشهورا بالأمانة ، وابن الزبير خارج عن الناس . فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام ، فلم يصعد معه ، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير ، ولكن انحط بها عند الناس ، ثم قال له ابن زياد : إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون ، وإنما ينزل الصحراء ، ويدعو بالجنود . فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله ، وأقام عبيد الله بن زياد بدمشق ومروان وبنو أمية بتدمر ، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية ، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته ، فدعا إلى نفسه ، وتزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ، وهي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، فعظم أمره [ ص: 675 ] وبايعه الناس ، واجتمعوا عليه ، وسار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس ، وركب إليه عبيد الله بن زياد وأخوه عباد بن زياد ، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفا ، وبدمشق من جهته يزيد بن أبي النمس ، وقد أخرج عامل الضحاك منها ، وهو يمد مروان بالسلاح والرجال وغير ذلك - ويقال : كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن بن أم الحكم - وجعل مروان على ميمنته عبيد الله بن زياد ، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص ، وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير ، فأمده النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع ، وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنسرين ، فكان الضحاك في ثلاثين ألفا ، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي ، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلالي ، فتصافوا ، وتقاتلوا بالمرج عشرين يوما ، يلتقون في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا ، ثم أشار عبيد الله بن زياد على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة ; فإن الحرب خدعة ، وأنت وأصحابك على الحق ، وهم على الباطل . فنودي في الناس بذلك ، ثم غدر أصحاب مروان ، فمالوا يقتلونهم قتلا شديدا ، وصبر أصحاب الضحاك صبرا بليغا ، فقتل الضحاك بن قيس في المعركة ، قتله رجل يقال له : زحمة بن عبد الله . من بني كلب ، طعنه بحربة ، فأنفذه ولم يعرفه . وصبر [ ص: 676 ] مروان وأصحابه صبرا شديدا حتى فر أولئك بين يديه ، فنادى : لا يتبع مدبر . ثم جيء برأس الضحاك ، ويقال : إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجذامي . واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم . وروي أنه بكى على نفسه يوم مرج راهط ، فقال : أبعد ما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل الناس بالسيوف على الملك ؟ !

قلت : ولم تطل مدته في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره .

وقد كان الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك ، أبو أنيس الفهري ، أحد الصحابة على الصحيح ، وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه أحاديث عدة ، وروى عنه جماعة من التابعين ، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين ، وكان أبو عبيدة بن الجراح عمه . حكاه ابن أبي حاتم . وزعم بعضهم أنه لا صحبة له ، وقال الواقدي : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه قبل البلوغ . وفي رواية عن الواقدي أنه قال : ولد الضحاك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين .

[ ص: 677 ] وقد شهد فتح دمشق وسكنها وله بها دار عند حجر الذهب ، مما يلي نهر بردى ، وكان على أهل دمشق يوم صفين مع معاوية . ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسين .

وقد روى البخاري في " التاريخ " أن الضحاك قرأ سورة " ص " في الصلاة بالناس بالكوفة ، فسجد فيها فلم يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود .

ثم استنابه معاوية عنده على دمشق ، فلم يزل عنده حتى مات معاوية ، وتولى ابنه يزيد ، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد ثم صار أمره إلى ما ذكرنا .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان بن مسلم ، ثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن الحسن ، أن الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية : سلام عليك ، أما بعد ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم ، فتنا كقطع الدخان ، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل " . وإن يزيد بن معاوية قد مات ، وأنتم إخواننا وأشقاؤنا فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا .

[ ص: 678 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق ابن قتيبة ، عن العباس بن الفرج الرياشي ، عن يعقوب بن إسحاق بن بويه ، عن حماد بن زيد قال : دخل الضحاك بن قيس على معاوية فقال معاوية :


تطاولت للضحاك حتى رددته إلى حسب في قومه متقاصر

فقال الضحاك : قد علم قومنا أننا أحلاس الخيل . فقال : صدقت ، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها . يريد : أنتم راضة وساسة ، ونحن الفرسان . وأرى أصله من الحلس ، وهو كساء يكون تحت البردعة ، أي يلزم ظهورها ، كما يلزم الحلس ظهر البعير .

وروى أيضا أن مؤذن دمشق قال للضحاك بن قيس : والله أيها الأمير إني لأحبك في الله . فقال له الضحاك : ولكني والله أبغضك في الله . قال : ولم ؟ أصلحك الله . قال : لأنك تتراءى في أذانك ، وتأخذ أجرا على تعليمك .

قتل الضحاك ، رحمه الله ، يوم مرج راهط ، وذلك للنصف من ذي الحجة ، سنة أربع وستين . قاله الليث بن سعد ، وأبو عبيد ، والواقدي ، وابن زبر ، والمدائني .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث