الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي في هذه السنة من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان

رافع بن خديج بن رافع الأنصاري

صحابي جليل ، شهد أحدا وما بعدها ، وصفين مع علي ، وكان يتعانى المزارع والفلاحة ، توفي وهو ابن ست وثمانين سنة ، وأسند ثمانية وسبعين حديثا ، وأحاديثه جيدة ، وقد أصابه يوم أحد سهم في ترقوته ، فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن ينزعه منه وبين أن [ ص: 232 ] يترك فيه القطبة ، ويشهد له يوم القيامة ، فاختار هذه ، وانتقض عليه في هذه السنة ، فمات منه ، رضي الله عنه .

أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان ، الأنصاري الخزرجي

صحابي جليل ، من فقهاء الصحابة ، استصغر يوم أحد ، ثم كان أول مشاهده الخندق ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة ، وروى عنه أحاديث كثيرة ، وعن جماعة من الصحابة ، وحدث عنه خلق من التابعين ، وجماعة من الصحابة . كان من نجباء الصحابة وفضلائهم وعلمائهم ، رضي الله عنه .

قال الواقدي وغيره : مات سنة أربع وسبعين . وقيل : قبلها بعشر سنين . فالله أعلم .

قال الطبراني : حدثنا المقدام بن داود ، ثنا خالد بن نزار ، ثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد الخدري قال : قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ فقال : النبيون . قلت : ثم أي ؟ [ ص: 233 ] قال : ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا السترة - وفي رواية : إلا العباءة - أو نحوها ، وإن أحدهم ليبتلى فيقمل حتى ينبذ القمل ، وكان أحدهم بالبلاء أشد فرحا منه بالرخاء .

وقال قتيبة بن سعيد : ثنا الليث بن سعد ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي سعيد الخدري ، أن أهله شكوا إليه الحاجة ، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل له شيئا ، فوافقه على المنبر ، وهو يقول : أيها الناس ، قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة ; فإنه من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، والذي نفس محمد بيده ، ما رزق الله عبدا من رزق أوسع له من الصبر ، ولئن أبيتم إلا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت وقد رواه الطبراني ، عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد نحوه .

عبد الله بن عمر بن الخطاب ، القرشي العدوي ، أبو عبد الرحمن ، المكي ثم المدني

أسلم قديما مع أبيه ، ولم يبلغ الحلم ، وهاجر وعمره عشر سنين ، وقد استصغر يوم أحد وكان ابن أربع عشرة ، فلما كان يوم الخندق أجازه ، وهو ابن خمس عشرة سنة ، فشهدها وما بعدها ، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين ، [ ص: 234 ] أمهما زينب بنت مظعون ، أخت عثمان بن مظعون .

وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال ، آدم ، له جمة تضرب إلى منكبيه ، جسيما ، يخضب بالصفرة ، ويحفي شاربه ، وكان يتوضأ لكل صلاة ، ويدخل الماء في أصول عينيه ، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك ، وكذلك أبوه ، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء ، وما بينهما من وقائع الفرس ، وشهد فتح مصر ، واختط بها دارا ، وقدم البصرة وشهد غزو فارس ، وورد المدائن مرارا ، وكان عمره يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين وعشرين سنة ، وكان إذا أعجبه شيء من ماله تقرب به إلى الله عز وجل ، وكان عبيده قد عرفوا ذلك منه ، فربما لزم أحدهم المسجد ; فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه ، فيقال له : إنهم يخدعونك . فيقول : من خدعنا بالله انخدعنا له . وكان له جارية يحبها كثيرا ، فأعتقها وزوجها لمولاه نافع ، وقال : إن الله تعالى يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وكان له نجيب اشتراه بمال ، فأعجبه لما ركبه ، فقال : يا نافع ، أدخله في إبل الصدقة . وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف دينار ، فقيل له : ما تنتظر ببيعه ؟ فقال : ما هو خير من ذلك ، هو حر لوجه الله . واشترى مرة غلاما بأربعين ألفا ، وأعتقه ، فقال الغلام : يا مولاي ، قد أعتقتني فهب لي شيئا أعيش به . فأعطاه أربعين ألفا ، واشترى مرة خمسة عبيد ، فقام يصلي فقاموا خلفه يصلون ، فقال : لمن صليتم هذه الصلاة ؟ فقالوا : لله ! فقال : أنتم أحرار لمن صليتم له . فأعتقهم . والمقصود أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبة ، وربما تصدق [ ص: 235 ] في المجلس الواحد بثلاثين ألفا ، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة والشهر لا يذوق فيه لحما ، وما كان يأكل طعامه إلا وعلى مائدته يتيم .

وبعث إليه معاوية بمائة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد ، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء ، وكان يقول : إني لا أسأل أحدا شيئا ، فما رزقني الله فلا أرده ، وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه ، وأدى إليه زكاة ماله ، وكان أعلم الناس بمناسك الحج ، وكان يتتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مكان صلى فيه ، أو قعد فيه ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ، ويصب في أصلها الماء حتى لا تيبس ، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة ، وكان يقوم أكثر الليل ، وقيل : إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه ، وكان يوم مات خير من بقي ، ومكث ستين سنة يفتي الناس من سائر البلاد .

وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ، وروى عن الصديق ، وعن عمر ، وعثمان ، وسعد ، و ابن مسعود ، وحفصة وعائشة أمي المؤمنين ، وغيرهم ، وعنه خلق من التابعين : منهم بنوه حمزة ، و بلال ، وزيد ، وسالم ، وعبد الله ، وعبيد الله ، وعمر - إن كان محفوظا - وأسلم - مولى أبيه - وأنس بن سيرين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وطاوس ، وعروة ، وعطاء ، وعكرمة ، ومجاهد ، و ابن سيرين ، والزهري ، ومولاه نافع .

[ ص: 236 ] وثبت في " الصحيح " عن حفصة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن عبد الله رجل صالح ; لو كان يقوم الليل فكان بعد يقوم الليل .

وقال ابن مسعود : إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر . وقال جابر : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ، ومال بها ، إلا ابن عمر ، وما أصاب أحد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله ، وإن كان عليه كريما . وقال سعيد بن المسيب : مات ابن عمر يوم مات وما من الدنيا أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله منه . وقال الزهري : لا يعدل برأيه ، فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة ، فلم يخف عليه شيء من أمره ، ولا من أمر أصحابه ، رضي الله عنهم .

وقال مالك : بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة ، وأفتى في الإسلام ستين سنة ، يقدم عليه وفود الناس من أقطار الأرض . وقال الواقدي وجماعة : توفي ابن عمر سنة أربع [ ص: 237 ] وسبعين . وقال الزبير بن بكار وآخرون : توفي سنة ثلاث وسبعين . والأول أثبت ، والله أعلم .

وقال ابن سعد : لما قتل عثمان واستخلف علي ، أتاه ابن عمر ، فقال له علي : إنك محبوب إلى الناس ، فسر إلى الشام فقد وليتكها . فقال : أذكرك الله وقرابتي وصحبتي لرسول الله والرحم إلا ما وليت غيري وأعفيتني . فأبى عليه ، فاستعان بحفصة أخته فكلمته ، ثم سار من ليلته إلى مكة هاربا منه .

وقيل : إن مروان قال لابن عمر : ألا تخرج إلى الشام فيبايعوك ؟ قال : فكيف أصنع بأهل العراق ؟ قال : تقاتلهم بأهل الشام . فقال : والله ما يسرني أن لي ملك الأرض ، وأن الناس كلهم بايعوني ، وقد قتل منهم رجل واحد ، وما أحب أنها أتتني ورجل يقول : لا ، وآخر يقول : نعم . وقيل : إنه دخل عليه الحجاج وهو مريض فغمض عينيه ، فكلمه فلم يجبه .

توفي بمكة بعد منصرف الناس من الحج في آخر السنة ، وعمره أربع وثمانون سنة ، ودفن بالمحصب ، وهو آخر من مات من الصحابة بمكة .

[ ص: 238 ] وكان له من الولد : أبو بكر ، و أبو عبيدة ، و واقد ، و عبد الله ، و عمر وحفصة وسودة ، أمهم صفية بنت أبي عبيد أخت المختار ، وعبد الرحمن ، و سالم ، و عبيد الله ، و حمزة ، وأمهم أم ولد ، وزيد وعائشة لأم ولد ، وأسند ألفين وستمائة وثلاثين حديثا .

عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث ، الليثي ثم الجندعي ، أبو عاصم المكي

قاص أهل مكة .

قال مسلم بن الحجاج : ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . وقال غيره : ورآه أيضا . روى عن أبيه - وله صحبة - وعن عمر ، و علي ، و أبي هريرة ، و ابن عباس ، و ابن عمر ، و عبد الله بن عمرو وأم سلمة ، وغيرهم .

وعنه جماعة من التابعين وغيرهم ، ووثقه ابن معين ، و أبو زرعة وغير واحد .

[ ص: 239 ] وكان ابن عمر يجلس في حلقته ويبكي ، وكان يعجبه تذكيره ، وكان بليغا ، وكان يبكي حتى يبل الحصى بدموعه .

قال مهدي بن ميمون ، عن غيلان بن جرير ، قال : كان عبيد بن عمير إذا آخى أحدا في الله استقبل به القبلة ، فقال : اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك ، واجعل محمدا شهيدا علينا بالإيمان ، وقد سبقت لنا منك الحسنى ، غير متطاول علينا الأمد ، ولا قاسية قلوبنا ولا قائلين ما ليس لنا بحق ، ولا سائلين ما ليس لنا به علم .

وحكى البخاري عن ابن جريج ، أن عبيد بن عمير مات قبل ابن عمر رضي الله عنه .

أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي

صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان دون البلوغ عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن روى عنه عدة أحاديث ، وعن علي ، و البراء بن عازب ، وعنه جماعة من التابعين ; منهم إسماعيل بن أبي خالد ، والحكم ، و سلمة بن كهيل ، و الشعبي ، و أبو إسحاق السبيعي ، وكان قد نزل الكوفة وابتنى بها دارا ، وتوفي في هذه السنة ، وقيل : في سنة أربع وتسعين . فالله أعلم . وكان صاحب شرطة علي ، وكان علي إذا خطب يقوم أبو جحيفة تحت منبره .

[ ص: 240 ] سلمة بن الأكوع بن عمرو بن سنان الأنصاري

وهو أحد من بايع تحت الشجرة ، وكان من فرسان الصحابة ، ومن علمائهم ، كان يفتي بالمدينة ، وله مشاهد معروفة ، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ، توفي بالمدينة ، وقد جاوز السبعين سنة .

مالك بن أبي عامر ، الأصبحي المدني

وهو جد الإمام مالك بن أنس ، روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم ، وكان فاضلا عالما ، توفي بالمدينة .

أبو عبد الرحمن السلمي

مقرئ أهل الكوفة بلا مدافعة ، واسمه : عبد الله بن حبيب ، قرأ القرآن على عثمان بن عفان ، و ابن مسعود ، وسمع من جماعة من الصحابة وغيرهم ، وأقرأ الناس القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج ، قرأ عليه عاصم بن أبي النجود ، وخلق غيره ، توفي بالكوفة .

أبو معرض الأسدي

اسمه مغيرة بن عبد الله الكوفي
، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووفد على عبد الملك بن مروان ، وامتدحه ، وله شعر جيد ويعرف [ ص: 241 ] بالأقيشر ، وكان أحمر الوجه كثير الشعر ، توفي بالكوفة في هذه السنة ، وقد قارب الثمانين سنة .

بشر بن مروان الأموي

أخو عبد الملك بن مروان ، ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الملك ، وله دار بدمشق عند عقبة الكتان ، وكان سمحا جوادا ، وإليه ينسب دير مروان عند حجيرا ، وهو الذي قتل خالد بن حصين الكلابي يوم مرج راهط ، وكان لا تغلق دونه الأبواب ، ويقول : إنما تحتجب النساء . وكان طليق الوجه ، وكان يجيز على الشعر بألوف ، وقد امتدحه الفرزدق ، و الأخطل .

والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل ، فيما مدح به بشر بن مروان ، وهو قوله :


قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

وليس فيه دليل ; فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة ، وقد كان الأخطل نصرانيا .

وكان سبب موت بشر أنه وقعت القرحة في يمينه . فقيل له : نقطعها [ ص: 242 ] من المفصل . فجزع ، فما أمسى حتى خالطت الكتف ، ثم أصبح وقد خالطت الجوف ، ثم مات ، ولما احتضر جعل يبكي ويقول : والله لوددت أني كنت عبدا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب ولم أل ما وليت . فذكر قوله لأبي حازم - أو لسعيد بن المسيب - فقال : الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ، ولم يجعلنا نفر إليهم ، إنا لنرى فيهم عبرا . وقال الحسن : دخلت عليه ، فإذا هو يتململ على سريره ، ثم نزل عنه إلى صحن الدار ، والأطباء حوله .

مات بالبصرة في هذه السنة ، وهو أول أمير مات بها ، ولما بلغ عبد الملك موته حزن عليه ، وأمر الشعراء أن يرثوه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث