الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


النوع الرابع : التكرير ، وهو أبلغ من التأكيد ، وهو من محاسن الفصاحة خلافا لبعض من غلط .

وله فوائد .

منها : التقرير : وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر ، وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله : وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا [ طه : 113 ] .

ومنها : التأكيد .

ومنها : زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ، ومنه : وقال الذي آمن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع [ غافر : 38 ، 39 ] ، فإنه كرر فيه النداء لذلك .

ومنها : إذا طال الكلام ، وخشي تناسي الأول ، أعيد ثانيها تطرية له وتجديدا لعهده ، ومنه : ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها [ النحل : 119 ] ، ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها [ النحل : 110 ] ، ولما جاءهم كتاب من عند الله إلى قوله : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [ البقرة : 89 ] ، لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب [ آل عمران : 188 ] ، إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم [ يوسف : 4 ] .

ومنها : التعظيم والتهويل ، نحو : الحاقة ما الحاقة [ الحاقة : 1 ، 2 ] ، القارعة ما القارعة [ القارعة : 1 ، 2 ] ، وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين [ الواقعة : 28 ] .

[ ص: 108 ] فإن قلت : هذا النوع أحد أقسام النوع الذي قبله ، فإن منها التأكيد بتكرار اللفظ ، فلا يحسن عده نوعا مستقلا .

قلت : هو يجامعه ويفارقه ، ويزيد عليه وينقص عنه ، فصار أصلا برأسه ، فإنه قد يكون التأكيد تكرارا كما تقدم في أمثلته ، وقد لا يكون تكرارا كما تقدم أيضا ، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة ، وإن كان مفيدا للتأكيد معنى .

ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين ، فإن التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده ، نحو : اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله [ الحشر : 18 ] ، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين [ آل عمران : 42 ] ، فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي .

ومنه : الآيات المتقدمة في التكرير للطول . ومنه : ما كان لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول ، وهذا القسم يسمى بالترديد ؛ كقوله : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري [ النور : 35 ] ، وقع فيها الترديد أربع مرات .

وجعل منه قوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان [ الرحمن : 13 ، 16 ] ، فإنها وإن تكررت نيفا وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها ؛ ولذلك زادت على ثلاثة ، ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة ؛ لأن التأكيد لا يزيد عليها . قال ابن عبد السلام وغيره : وإن كان بعضها ليس بنعمة ، فذكر النقمة للتحذير نعمة .

وقد سئل : أي نعمة في قوله : كل من عليها فان [ الرحمن : 26 ] ؟ فأجيب بأجوبة أحسنها : النقل من دار الهموم إلى دار السرور ، وإراحة المؤمن والبار من الفاجر .

وكذا قوله : ويل يومئذ للمكذبين في سورة المرسلات ؛ لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة ، وأتبع كل قصة بهذا القول ، فكأنه قال عقب كل قصة : ويل يومئذ للمكذب بهذه القصة .

وكذا قوله في سورة الشعراء [ الآية : 8 ] إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [ ص: 109 ] كررت ثماني مرات ، كل مرة عقب كل قصة ، فالإشارة في كل واحدة بذلك إلى قصة النبي المذكور قبلها ، وما اشتملت عليه من الآيات والعبر ، وبقوله : وما كان أكثرهم مؤمنين إلى قومه خاصة ، ولما كان مفهومه أن الأقل من قومه آمنوا أتى بوصف العزيز الرحيم للإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن .

وكذا قوله في سورة القمر [ الآية : 17 ] ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر . قال الزمخشري : كرر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا وتنبيها ، وأن كلا من تلك الأنباء مستحق لاعتبار يختص به ، وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة .

قال في عروس الأفراح : فإن قلت : إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب ، بل هي ألفاظ ؛ كل أريد به غير ما أريد بالآخر .

قلت : إذا قلنا : العبرة بعموم اللفظ ، فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر ، ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه وظاهرا في غيره .

فإن قلت : يلزم التأكيد .

قلت : والأمر كذلك ، ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة ؛ لأن ذاك في التأكيد الذي هو تابع ، أما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع . انتهى . ويقرب من ذلك ما ذكره ابن جرير في قوله تعالى : ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا إلى قوله : وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا [ النساء : 131 ، 132 ] ، قال : فإن قيل : ما وجه تكرار قوله : ولله ما في السماوات وما في الأرض في آيتين إحداهما في أثر الأخرى ؟ قلنا : لاختلاف معنى الخبرين عما في السماوات والأرض ؛ وذلك لأن الخبر عنه في إحدى الآيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه ، وفي الأخرى حفظ بارئه إياه وعلمه به وبتدبيره . قال : فإن قيل : أفلا قيل : ( وكان الله غنيا حميدا وكفى بالله وكيلا ) ، قيل : ليس في الآية الأولى ما يصلح أن تختتم بوصفه معه بالحفظ والتدبير . انتهى .

وقال تعالى : وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب [ آل عمران : 78 ] ، [ ص: 110 ] قال الراغب : الكتاب الأول ما كتبوه بأيديهم المذكورة في قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم [ البقرة : 79 ] ، والكتاب الثاني التوراة ، والثالث لجنس كتب الله كلها ؛ أي : ما هو من شيء من كتب الله وكلامه .

ومن أمثلة ما يظن تكرارا وليس منه : قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون [ الكافرون : 1 ، 2 ] ، إلى آخرها ، فإن : لا أعبد ما تعبدون أي : في المستقبل ، ولا أنتم عابدون ؛ أي : في الحال ، ما أعبد في المستقبل ، ولا أنا عابد ؛ أي : في الحال ، ما عبدتم في الماضي ، ولا أنتم عابدون ؛ أي : في المستقبل ، ما أعبد ؛ أي : في الحال . فالحاصل أن القصد نفي عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة .

وكذا : فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم [ البقرة : 198 ] ، ثم قال : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم [ البقرة : 200 ] ، ثم قال : واذكروا الله في أيام معدودات [ البقرة : 203 ] ، فإن المراد بكل واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر .

فالأول : الذكر في مزدلفة عند الوقوف بقزح ، وقوله : واذكروه كما هداكم إشارة إلى تكرره ثانيا وثالثا ، ويحتمل أن يراد به طواف الإفاضة بدليل تعقيبه بقوله : ( فإذا قضيتم ) ، والذكر الثالث : إشارة إلى رمي جمرة العقبة ، والذكر الأخير : لرمي أيام التشريق .

ومنه : تكرير حرف الإضراب في قوله : بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر [ الأنبياء : 5 ] ، وقوله : بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون [ النمل : 66 ] .

ومنه : قوله ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين [ البقرة : 236 ] ، ثم قال : وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين [ البقرة : 241 ] ، فكرر الثاني ليعم كل مطلقة ، فإن الآية الأولى في المطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة .

وقيل : لأن الأولى لا تشعر بالوجوب ، ولهذا لما نزلت قال بعض الصحابة : إن شئت أحسنت وإن شئت فلا ، فنزلت الثانية . أخرجه ابن جرير .

[ ص: 111 ] ومن ذلك تكرير الأمثال كقوله : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات [ فاطر : 19 - 23 ] .

وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة بالمستوقد نارا ، ثم ضربه بأصحاب الصيب . قال الزمخشري : والثاني أبلغ من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته .

قال : ولذلك آخرهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ .

ومن ذلك تكرير القصص كقصة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء . قال بعضهم : ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه .

وقال ابن العربي في القواصم : ذكر الله قصة نوح في خمس وعشرين آية ، وقصة موسى في تسعين آية .

وقد ألف البدر بن جماعة كتابا سماه " المقتنص في فوائد تكرار القصص " ، وذكر في تكرير القصص فوائد .

منها : أن في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة ، وهذه عادة البلغاء .

ومنها : أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ، ثم يعود إلى أهله ، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من تقدمهم ، فلولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى آخرين ، وكذا سائر القصص ، فأراد الله اشتراك الجميع فيها ، فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين .

ومنها : أن في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة .

ومنها : أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام ; فلهذا كررت القصص دون الأحكام . ومنها : أنه تعالى أنزل هذا القرآن ، وعجز القوم عن الإتيان بمثله ، بأي نظم جاءوا ، [ ص: 112 ] ثم أوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله ، بأي نظم جاءوا ، وبأي عبارة عبروا .

ومنها : أنه لما تحداهم قال : فأتوا بسورة من مثله [ البقرة : 23 ] ، فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها ، لقال العربي : ائتونا أنتم بسورة من مثله ، فأنزلها الله سبحانه وتعالى في تعداد السور ، دفعا لحجتهم من كل وجه .

ومنها : أن القصة الواحدة لما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير ، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى ، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النظر وجذب النفوس إلى سماعها ، لما جبلت عليه من حب التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها ، وإظهار خاصة القرآن ؛ حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللفظ ، ولا ملل عند سماعه ، فباين ذلك كلام المخلوقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث