الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والنفقة على الزوج الصحيح النكاح ولا آخذه بنفقتها حتى تلده ، فإن ألحق به الولد أعطيتها نفقة الحمل من يوم طلقها وإن أشكل أمره لم آخذه بنفقته حتى ينتسب إليه فإن ألحق بصاحبه فلا نفقة منه ؛ لأنها حبلى من غيره ( قال المزني ) رحمه الله : خالف الشافعي في إلحاق الولد في أكثر من أربع سنين بأن يكون له الرجعة " . قال الماوردي : وهذه المسألة مقصورة على بيان النفقة للمنكوحة في العدة ، ومقدمتها أن العدة على ضربين : أحدهما : من نكاح صحيح . والثاني : من نكاح فاسد . فأما العدة من النكاح الصحيح فعلى ضربين : أحدهما : رجعية . [ ص: 308 ] والثاني : مبتوتة . فأما الرجعية فلها النفقة في العدة حاملا كانت أو حائلا ؛ لأنها في معاني الزوجات ونفقتها معجلة ، وتستحقها يوما بيوم . وأما المبتوتة فلها حالتان : حامل وحائل فالحائل لا نفقة لها ، والحامل لها النفقة وفيها قولان : أحدهما : أن النفقة وجبت لها . والثاني : لحملها وفي صفة استحقاقها قولان : أحدهما : معجلة في كل يوم . والثاني : مؤجلة بعد الوضع . وأما العدة من النكاح الفاسد فعلى ضربين : أحدهما : أن تكون بغير حمل إما بشهور أو أقراء ، فلا نفقة فيها للمعتدة . والضرب الثاني : أن تكون بحمل ففي وجوب نفقتها قولان : أحدهما : لا نفقة لها إذا قيل : إن نفقة الحامل مستحقة للحمل لكونها حاملا . والقول الثاني : لها النفقة إذا قيل : إن نفقة الحامل مستحقة للحمل ، وهل تستحقها معجلة أو بعد الوضع على قولين : فإذا ثبتت هذه المقدمة ، وكانت المنكوحة في العدة ذات حمل ترتب على ما قدمناه من الأقسام الأربعة : أحدها : أن يلحق بالأول دون الثاني فنفقتها في مدة الحمل واجبة على الأول لصحة نكاحه ، فإن كانت رجعية استحقتها معجلة يوما بيوم من بعد فراق الثاني ، وإلى وقت الولادة ولا تستحقها في نفاس الولادة ، وإن كانت مبتوتة فعلى ما ذكرناه من القولين : أحدهما : تستحقها معجلة كذلك . والثاني : مؤجلة بعد الولادة ولا نفقة لها على الزوج الثاني في امتدادها منه بالإقراء لفساد نكاحه . والقسم الثاني : أن يلحق الولد بالثاني دون الأول ، فهل على الثاني نفقتها في مدة الحمل أم لا ؟ على قولين : [ ص: 309 ] أحدهما : لا نفقة لها إذا قيل : إن نفقة الحامل لكونها حاملا . والقول الثاني : لها النفقة إذا قيل لحملها ، وفي تعجيلها وتأجيلها قولان : فأما نفقتها في عدة الأول بالأقراء بعد الحمل ، فإن كانت مبتوتة فلا نفقة لها ، وإن كانت رجعية فلها النفقة ، وفيها وجهان : أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي - أنها تستحقها من بعد انقطاع دم نفاسها ، لأن دم النفاس غير معتبر به . . والوجه الثاني : لها النفقة من بعد الولادة في مدة النفاس ، وما بعدها إلى انقضاء عدتها ؛ لأنها جارية في العدة ، وإن لم تعتد بالنفاس كما لو طلقها حائضا كانت لها النفقة في حيضها ، وإن كانت غير معتدة به . والقسم الثالث : أن لا يلحق الولد بواحد منهما فلا نفقة لها على واحد منهما في مدة حملها ؛ لأنه غير لاحق به ولا في حال عدتها من الثاني لفساد نكاحه ، فأما الأول فإن كانت مبتوتة منه فكذلك لا نفقة لها عليه في عدتها منه ، وإن كانت رجعية ، فلها النفقة في العدة . والقسم الرابع : وهو المنظور أن يمكن لحوقه بكل واحد منهما فنفقتها معتبرة بطلاق الأول وهو على ضربين : رجعي ، وبائن ، فإن كان رجعيا فالنفقة في عدته مستحقة ويترتب استحقاقها على اختلاف قول الشافعي في الحمل إن لحق بالثاني ، فهل عليه نفقته أم لا ؟ على قولين : أحدهما : لا نفقة عليه إذا قيل : إن النفقة للحامل ، فعلى هذا لا تستحق نفقة الحمل على واحد منهما ؛ لأنه متردد بين أن يلحق بالثاني فتسقط نفقته ، وبين أن يلحق بالأول فتجب نفقته فصارت نفقته مترددة بين وجود وإسقاط ، فلم تجب لكنها في عدة الأول مستحقة للنفقة لكونها رجعية ، ونفقتها معجلة في كل يوم ؛ لأنها في حكم الزوجة وعدتها مترددة بين أن تكون بالحمل إن لحق به أو بالأقراء إن انتفى عنه فوجب أن يؤخذ بنفقة أقصى المدتين لاستحقاقها يقينا ، فإن كانت مدة الحمل أقصر أخذ بنفقتها في مدة حملها ، وإن كانت مدة الأقراء أقصر أخذ بنفقة قرأين ، لأنهما قدر الباقي من عدته ، ثم يراعى حال الحمل بعد ولادته ، فإن لحق بالأول تقدرت نفقتها بمدة الحول ، فإن كانت هي أقصر المدتين فقد استوفتها ، وإن كانت أطولها رجعت عليه بالباقي منها ، وإن لحق بالثاني تقدرت نفقتها بمدة القرأين ، فإن كانت أقصر المدتين فقد استوفتها ، وهل تستحق معها نفقة مدة النفاس أم لا ؟ على ما مضى من الوجهين ، وإن كانت أطول المدتين رجعت عليه بما بقي منها ، وهل يضاف إليها مدة النفاس أم لا ؟ [ ص: 310 ] على الوجهين ، فهذا حكم النفقة على القول الأول . والقول الثاني : أن نفقة الحمل مستحقة على الثاني ، إن لحق به إذا قيل إن النفقة للحمل ، فعلى هذا يترتب ذلك على اختلاف قولي الشافعي فهل يستحق نفقة الحمل معجلة في كل يوم أو مؤجلة بعد الولادة على قولين : أحدهما : تستحق مؤجلة بعد الولادة ، فعلى هذا لا يؤخذ بالثاني بشيء منها قبل الولادة لجواز أن يلحق بالأول ، ويكون مأخوذا بنفقة العدة في أقصر المدتين على ما مضى معجلة ؛ لأنها في حقه نفقة زوجية ، وفي حق الثاني نفقة حمل ، ثم يراعى ما ينتهي إليه حال الحمل ، فإن لحق بالأول فلا شيء على الثاني ، وقد تقدرت نفقتها على الأول بمدة الحمل فيعتبر فيه ، هل هي أقصر المدتين أو أطولهما ، فيكون على ما مضى ، وإن لحق بالثاني رجعت عليه بنفقة مدة الحمل ، وتقدرت عدة الأول بقرأين فتكون على ما مضى ، وإن لحق بالثاني رجعت عليه بنفقة مدة الحمل ، وتقدرت عدة الأول بقرأين فيكون على ما مضى . والقول الثاني : إن نفقة الحمل تستحق معجلة في كل يوم ، فعلى هذا قد استوى الأول والثاني في نفقة الحمل لوجوبها على كل واحد منها إن لحق به ، وتكون نفقة الحمل هي المعتبرة وقد صار الأول والثاني فيها سواء فيؤخذان جميعا بها ؛ لأنه ليس أحدهما بأولى بتحملها من الآخر ، ثم يعتبر حاله بعد الولادة ، فإن لحق بالأول فلا شيء على الثاني ، ويرجع على الأول بما أنفق ، وإن لحق بالثاني رجع الأول عليه بما أنفق ، وكان على الأول نفقة عدته بالأقراء ، وهي قرآن ، وهل يضم إليها نفقة النفاس على الوجهين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث