الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الرابع : فائدة اليمين وحكمها ، وهو انقطاع الخصومة ، والمطالبة في الحال ، لا سقوط الحق وبراءة الذمة ، فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه ، سمعت ، وقضي بها ، وكذا لو ردت اليمين على المدعي ، فنكل ، ثم أقام بينة ، وهذا إذا لم يتعرض وقت التحليف للبينة ، فإن كان قال حينئذ : لا بينة لي حاضرة ولا غائبة ، فهذه الصورة ذكرناها في الطرف الثاني من الباب الثاني من أدب القضاء مضمومة إلى ما لو اقتصر على قوله : لا بينة لي ، وفيهما خلاف ، والأصح السماع أيضا ، وذكرنا هناك أنه لو قال : لا بينة لي حاضرة ، ثم أقام بينة سمعت ، فلعلها حضرت ، وأنه لو قال : لي بينة ولا أقيمها ، بل أردت يمينه ، أجابه القاضي ، وحلف المدعى عليه ، هذا هو الأصح . وفي فتاوى القفال أنه لا يجيبه ، بل يقول : أحضر البينة .

[ ص: 41 ] فرع

أقام المدعي بدعواه شهودا ، ثم قال : كذب شهودي ، أو شهدوا مبطلين ، فلا شك في سقوط بينته ، وامتناع الحكم ، وفي بطلان دعواه وجهان ، أحدهما : يبطل ، كما لو كذب نفسه ، فليس له أن يقيم بعد ذلك بينة أخرى ، وأصحهما : لا ، لاحتمال كونه محقا في دعواه والشهود مبطلين لشهادتهم بما لا يعلمون ، وفي مثل هذا قال الله تعالى : ( والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) وبني على الوجهين ما لو أقام المدعي شهودا ، فزعم المدعى عليه أن المدعي أقر بأن شهوده كذبة ، وأقام عليه شاهدا ، وأراد أن يحلف معه هل يمكن ، ويحكم بشاهده ويمينه ؟ إن قلنا : هذا الإقرار لا يبطل أصل الدعوى ، فلا ؛ لأن المقصود حينئذ الطعن في الشهود ، وإخراج شهادتهم عن أن يحكم بها ، وجرح الشهود ، والطعن فيهم لا يثبت بشاهد ويمين ، وإن كانت الشهادة بمال ، وإن قلنا : يبطلها ، مكن ؛ لأن المقصود حينئذ إسقاط الدعوى بالمال ، فهو كادعاء الإبراء بشاهد ويمين .

فروع

في فتاوى القفال وغيره : أقام شاهدين في حادثة ، وكانا استباعا الدار منه ، بطلت شهادتهما ، ولو أقام شاهدين بأن هذه الدار ملكه ، وأقام المشهود عليه شاهدين بأن شاهدي المدعي قالا : لا شهادة لنا في ذلك سألهما الحاكم : متى قال ذلك شاهدا المدعي ؟ فإن قالا : قالاه أمس ، أو من شهر ، لم تندفع شهادتهما بذلك ؛ لأنهما قد لا يكونان شاهدين ، ثم يصيران . وإن قالا : قالا حين تصديا لإقامة الشهادة ، [ ص: 42 ] اندفعت شهادتهما . ولو أقام المشهود عليه بشاهدين أن المدعي أقر بأن شاهديه شربا الخمر وقت كذا ، فإن طالت المدة بينه وبين أداء الشهادة لم يقتض ذلك رد الشهادة ، وإن قصرت ردت شهادتهما ، وإن شهدا أنه أقر بأنهما شربا الخمر من غير تعيين وقت ، سئل المدعي عن وقته ، وحكم بما يقتضيه تعيينه ، ولو أقام المدعي بينة ، ثم قال للقاضي : لا تحكم بشيء حتى تحلفه ، بطلت بينته ؛ لأنه كالمعترف بأنها مما لا يجوز الحكم بها .

قلت : هذا مشكل ، فقد يقصد تحليفه ليقيم البينة ، ويظهر إقدامه على يمين فاجرة ، أو غير ذلك من المقاصد التي لا تقتضي قدحا في البينة ، فينبغي أن لا تبطل البينة . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث