الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الخامسة : إذا كان بينهما عبد بالسوية ، فكاتباه ، لم يكن للمكاتب أن يفضل أحدهما على الآخر في المدفوع .

                                                                                                                                                                        فلو دفع إلى أحدهما تمام حصته بغير إذن الآخر لم يعتق منه شيء ؛ لأن نصف المأخوذ لشريكه ، ويجيء فيه وجه ضعيف سبق .

                                                                                                                                                                        وإن دفع إليه تمام النجوم ، فكذلك على الأصح ، وللشريك الآخر أخذ حصته مما قبض بلا خلاف . ولو قبض أحدهما جميع النجوم بإذن الآخر ، عتق العبد قطعا .

                                                                                                                                                                        وإن سلم إلى أحدهما حصته من مال الكتابة بإذن الآخر ورضاه بتقديمه ، فهل يصح القبض ؟ قولان أظهرهما : لا ؛ لأن حقه في ذمة المكاتب . وما في يده ملكه ، فلا أثر للإذن فيه ؛ ولأنه لو جاء بالمال ليعطيهما ، فرضي أحدهما بأن يزن للآخر أولا ، ففعل ، وأقبضه ، لم يعتق حتى يزن للآخر .

                                                                                                                                                                        ولو هلك الباقي قبل أن يزن للثاني كان المدفوع بينهما فكذا هنا ، والثاني : نعم ؛ لأن الحق لا يعدوهم ، فإن قلنا : لا يصح القبض لم يعتق نصيب القابض ، وللآذن طلب حصته من المقبوض .

                                                                                                                                                                        ثم إن أدى المكاتب الباقي عتق عليهما ، وإلا فلهما التعجيز .

                                                                                                                                                                        وإن قلنا : يصح القبض ، اختص القابض بما قبض ، وعتق نصيبه . ثم إن كان معسرا لم يعتق عليه [ ص: 264 ] نصيب الآخر ، ولكن إن كان في يد المكاتب ما يفي بنصيب الآخر ، وأداه عتق أيضا وإلا فله التعجيز . وإن كان موسرا قوم عليه نصيب الشريك .

                                                                                                                                                                        وهل يقوم في الحال أم عند التعجيز عن نصيب الآخر ؟ فيه القولان السابقان فيما إذا عتق أحدهما نصيبه ، فإن قلنا : يقوم في الحال ، فجميع ما في يد المكاتب يكون للشريك الآذن ، وما كسبه بعد ذلك يكون بين المكاتب والشريك الآذن ؛ لأنه كسب بنصفيه الحر والمكاتب .

                                                                                                                                                                        وإن مات قبل الأداء والتعجيز ، فعلى ما سبق هناك . هذه طريقة جماهير الأصحاب . وقال الإمام : إن كان في يده وفاء بنصيب الشريك الآذن ، فالذي رأيته للأصحاب القطع بأنه لا سراية .

                                                                                                                                                                        وقال الغزالي : ولا نقول بعتق نصيبه ، بل يؤدي نصيب الآذن ، فإذا أدى عتق عليهما ، وإن عجز عن أداء نصيب الآذن ، فعن ابن سريج : لا يشارك القابض فيما قبض ؛ لأنه لما قدمه رضي ببقاء حقه في ذمة المكاتب ، فعلى هذا يعتق نصيب القابض .

                                                                                                                                                                        وفي السراية ما ذكره الجماهير . وعن غيره أن الآذن يشاركه ؛ لأن ما قبضه كسب عبدهما ، وإنما تبرع الآذن بالتقديم لا بالتمليك ، ولا يخلص له المقبوض . فعلى هذا لهما تعجيزه وإرقاقه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قد سبق أنهما إذا كاتبا المشترك ، فادعى أنه أوفاهما ، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر صدق المكذب بيمينه ، فإذا حلف بقيت الكتابة في نصيبه ، وهو بالخيار بين أن يشارك المصدق فيما أقر بقبضه ، فيأخذ نصفه ، ويطالب العبد بالباقي ، وبين أن يطالب المكاتب بتمام [ ص: 265 ] نصيبه ؛ لأن كسبه متعلق حقهما بالشركة . وقيل : إذا جوزنا انفراد أحدهما بكتابة نصيبه ، لم يشارك المصدق ، بل يطالب المكاتب بجميع حقه .

                                                                                                                                                                        وإنكاره قبض الشريك لا يمنعه الرجوع عليه ؛ لأنه أقر بالقبض ، وربما قبض وهو لا يعلم . ثم إذا أخذ المكاتب حصته منهما ، أو من العبد لاعترافه بأنه مظلوم ، ولا يرجع العبد أيضا على المصدق بما العبد وحده عتق باقيه ، ولا يرجع المصدق إن أخذ منهما بشيء على أن يأخذ منه ، ولا تقبل شهادة المصدق على المكذب ؛ لأنه متهم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية