الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح

[ ص: 62 ] الفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح )

قلت يقع الترجيح بأحد ثمانية أشياء وقع في الجواهر منها أربعة فقال يقع الترجيح بزيادة العدالة وقوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين واليد عند التعادل وزيادة التاريخ .

وقال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة والنظر في التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية فإن استووا في التفصيل والإجمال نظر في الأعدلية ، ومنها شهادة إحداهما بحوز الصدقة قبل الموت ، وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض الأخرى لرد هذا القول السادس قال ابن أبي زيد إن اختصت أحدهما بمزيد الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن ، والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز ، وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون .

وقال محمد يقضي به لمن هو في يده . السابع استصحاب الحال ، والغالب ومنه شهادة إحداهما أنه أوصى ، وهو صحيح ، وشهدت الأخرى أنه أوصى ، وهو مريض قال ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب .

وقال سحنون إذا شهدت بأنه زنى عاقلا ، وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن كان القيام عليه ، وهو عاقل قدمت بينة العقل ، وإن كان القيام عليه ، وهو مجنون قدمت بينة الجنون ، وهو ترجيح بشهادة الحال وهو الثامن .

وقال ابن اللباد يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام فلم يعتبر ظاهرا لحال ، ونقل عن ابن القاسم في إثبات الزيادة إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو بالزنا ، وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها مثبتة زيادة ، ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين فهذه الثمانية الأوجه هي ضابط قاعدة ترجيح البينات ، وما خرج عن ذلك لا يقع به الترجيح ، ووقع الخلاف في هذه الترجيحات بين العلماء فعندنا يقدم صاحب اليد عند التساوي أو هو مع البينة الأعدل كانت الدعوة أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك يتكرر كنسج الخز وغرس النخل أم لا .

وقاله [ ص: 63 ] الشافعي ، وقال ابن حنبل الخارج أولى ، ولا تقبل بينة صاحب اليد أصلا ، وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن ادعى مطلق ملك فإن كان مضافا إلى سبب يتكرر فأعاده كلاهما فكذلك أو لا يتكرر كالولادة ، وادعياه ، وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد لنا على أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما روي { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تحاكم إليه رجلان في دابة ، وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب اليد } ؛ ولأن اليد مرجحة كما لو لم يكن لهما ، ولنا على أبي حنيفة رضي الله عنه ما تقدم ، والقياس على المضاف إلى سبب لا يتكرر احتجوا بوجوه :

( الأول ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } ، وهو يقتضي صنفين مدعيا ، والبينة حجته ، ومدعى عليه ، واليمين حجته فبينته غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا .

( الثاني ) ولأنهما لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه بالولادة ، والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له بالبينة فأما ما يتكرر ، ولم يتعين الكذب فلم تفد بينته إلا ما أفادته يده فسقطت لعدم الفائدة

( الثالث ) ولأن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته ، وإذا لم تسمع في هذه الحالة ، وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينة لا تسمع بطريق الأولى لأنه في هذه الحالة أضعف

( الرابع ) إنا إنما أعملنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة ، ولم تفدها يده ، وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت .

والجواب عن الأول القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه ، وأنتم تقولون به فتعين أن يكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما طلبه الآخر لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه ، وإن فسر بأضعف المتداعيين سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع البينة في حقه سلمنا دلالته لكنه معارض بقوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل } والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة إحداهما دون الآخر { ، وبقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه لا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر } ، وهو يفيد وجوب الاستماع منهما وأن من قويت حجته حكم بها ، وأنتم تقولون لا نسمع بينة الداخل ، وعن الثاني أنه ينتقض بما إذا تعارضتا في [ ص: 64 ] دعوى طعام ادعيا زراعته ، وشهدنا بذلك ، والزرع لا يزرع مرتين كالولادة ، ولم يحكموا به لصاحب اليد ، وبالملك المطلق في الحال لاستحالة ثبوته لهما في الحال ، ولأنه لو حكم له باليد دون البينة لما حكم له إلا باليمين لأنه شأن اليد المنفردة .

ولما لم يحتج إلى اليمين علم أنه إنما حكم بالبينة ، ولأنه لما حكم له حيث كذبت بينته كان أولى أن يحكم به إذا لم تكذبت بينته ، ولأن اليد أضعف من البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين ، والبينة يقضى بها بغير يمين ، ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة تفيد ما لا تفيده اليد وعن

( الثالث ) أنه إنما لم تسمع بينة الداخل عند بينة الخارج لأنه حينئذ قوي باليد ، والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف ، ولم يتحقق إلا عند إقامة الخارج بينته ، وعن

( الرابع ) أن الدعوى ، واليد لا يفيدان مطلقا شيئا ، وإلا لكان مع المدعي حجج اليد ، والدعوى ، والبينة يخيره الحاكم بينهما أيها شاء أقام كمن شهد له شاهدان ، وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد إنما هو البينة ، واليد لا تفيد ملكا ، وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة ، ولأنها لو أفادت ، وأقام المدعي بينة أنه اشتراها منه لم يحتج إلى يمين .

وأما الأعدلية فمنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم الترجيح بها لنا أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن ، والظن في الأعدل أقوى فيقدم كأخبار الآحاد إذا رجح إحداهما ، ولأن مقيم الأعدل أقرب للصدق فيكون هو المعتبر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمرت أن أحكم بالظاهر } ، ولأن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية بدليل جواز العبد والمرأة والمنفرد في الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط مطلوبا أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل ، والظن أقوى فيها قياسا على الخبر بطريق الأولى ، والمدرك في هذا الوجه الاحتياط ، وفي الوجه الأول الجامع إنما هو الظن .

وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت . احتجوا بوجوه .

( الأول ) أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية ، ولا تختلف بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم .

( وثانيها ) أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين ، وهو غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد ، وكذلك الجمع من النساء والصبيان إذا كثروا ، وثالثها أنه لو اعتبرت [ ص: 65 ] زيادة العدالة ، وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد ، وهي بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة ، والعدد غير معتبر فالصفة غير معتبرة ، والجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة ، وهو موكول إلى اجتهادنا ، وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا إلا في موطن اجتهاد لا في موضع تقدير ، وعن الثاني أنا لا ندعي أن الظن كيف كان يعتبر بل ندعي أن مزيد الظن بعد حصول أصل معتبر كما أن قرائن الأحوال لا نثبت بها الأحكام والفتاوى ، وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء ، ولما جعل الأخبار والأقيسة مدركا للفتيا دخلها الترجيح فكذا هاهنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة فاعتبر فيها الترجيح .

وعن الثالث أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات فإذا ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته ، وتطول الخصومة ، وتعطل الأحكام ، وليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع ، ولأن العدد يعين ما تقدم فيمتنع الاجتهاد فيه بخلاف وصف العدالة ، ولذلك يختلف باختلاف الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة رضوان الله عليهم ، وأما العدد فلم يختلف ألبتة مع أنا نلتزم الترجيح بالعدد على أحد القولين عندنا .

[ ص: 63 - 65 ]

التالي السابق


[ ص: 63 - 65 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح )

وهو أن ما خرج عن ضابط قاعدة ترجيح البينات لا يقع به الترجيح ، وما كان داخلا تحت ذلك الضابط يقع به الترجيح ، وضابط قاعدة ترجيح البينات أنه كل ما تحقق فيه من البينات أحد ثمانية أوجه ثبت ترجيحه عند تعارضها

( الوجه الأول ) زيادة العدالة كما في الجواهر وإن منع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم الترجيح بها محتجين بثلاثة وجوه :

( الأول ) أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية لا تختلف بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم .

( والثاني ) أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين ، وهو غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد ، وكذلك الجمع من النساء والصبيان إذا كثروا ، والثالث أنه لو اعتبرت زيادة العدالة ، وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد ، وهي بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة ، والعدد غير معتبر فالصفة غير معتبرة ، وذلك لأن لنا وجهين

( الأول ) أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن ، والظن في الأعدل أقوى لأن مقيم الأعدل أقرب للصدق فيكون هو المعتبر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمرت أن أحكم بالظاهر } فيقدم حينئذ كأخبار الآحاد إذا رجح أحدهما .

( والثاني ) أن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط مطلوبا أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل ، والظن أقوى فيها قياسا على الخبر بطريق الأولى ، والمدرك في هذا الوجه الاحتياط ، وفي الوجه الأول الجامع إنما هو الظن ، وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت ، وأما الوجوه التي احتجوا بها فالجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة ، وهو موكول إلى اجتهادنا ، وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا في موطن تقدير ، وإنما رجحنا في موطن اجتهاد .

( وعن الثاني ) إنا لا ندعي أن الظن يعتبر كيف كان بل ندعي أن مزيد الظن معتبر في الترجيح بعد حصول أصل معتبر ألا ترى أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى ، وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء ، وأن الأخبار والأقيسة لما جعلت مدركا للفتيا دخلها [ ص: 107 ] الترجيح فكذا هنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة فاعتبر فيها الترجيح .

( وعن الثالث ) أن الترجيح بالعدد يفارق الترجيح بالأعدلية من جهتين :

( الأولى ) أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات ضرورة أنه إذا ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته فتطول الخصومة ، وتعطل الأحكام ، وليس الأعدلية كذلك إذ ليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع .

( والثانية ) أن العدد يمتنع الاجتهاد فيه لأنه لا يختلف ألبتة بخلاف وصف العدالة فإنه يختلف باختلاف الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة رضوان الله عليهم على أنا نلتزم الترجيح بالعدد على أحد القولين عندنا

( الوجه الثاني ) قوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين كما في الجواهر .

( الوجه الثالث ) اليد عند التعادل كما في الجواهر قال الأصل فعندنا يقدم صاحب اليد عند التساوي أو هو مع البينة الأعدل كانت الدعوى أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك يتكرر كنسج الخز ، وغرس النخل أو لا يتكرر كالولادة ، وقاله الشافعي .

وقال ابن حنبل الخارج أولى ، ولا تقبل بينة صاحب اليد أصلا ، وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن ادعى مطلق الملك فإن كان إلى سبب يتكرر فادعاه كلاهما فكذلك تقدم بينة الخارج أو لا يتكرر كالولادة وادعياه ، وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد . لنا على أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما روي { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تحاكم إليه رجلان في دابة ، وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب اليد } ، ولأن اليد مرجحة كما لو لم يكن لهما ، ولنا على أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول ما تقدم ، والثاني القياس على المضاف إلى سبب لا يتكرر ، واحتجوا بأربعة وجوه :

( الأول ) قوله عليه الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، وهو يقتضي صنفين مدعيا ، والبينة حجته ومدعى عليه ، واليمين حجته فبينته غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا ، وجوابه القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه ، وأنتم تقولون به فتعين أن تكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما طلبه الآخر [ ص: 108 ] لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه ، وإن فسر بأضعف المتداعيين سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع البينة في حقه سلمنا دلالته أي الحديث المذكور على أن بينة المدعى عليه غير مشروعة لكنه معارض بقوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل } والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة أحدهما دون الآخر ، وبقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه لا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر ، وهو يفيد وجوب الاستماع منهما ، وأن من قويت حجته حكم بها ، وأنتم تقولون لا تسمع بينة الداخل .

( الثاني ) أن البينتين لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه بالولادة ، والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له بالبينة فأما ما يتكرر ، ولم يتعين الكذب فلم تفد ببينته إلا ما أفادته يده فسقطت لعدم الفائدة ، وجوابه أنه ينتقض بما إذا تعارضتا في دعوى طعام ادعيا زراعته ، وشهدا بذلك ، والزرع لا يزرع مرتين كالولادة ، ولم يحكموا به لصاحب اليد ، وبالملك المطلق في الحال ، ولأنه لو حكم باليد دون البينة لما حكم له إلا باليمين لأنه لما حكم له حيث كذبت بينته كان الأولى أن يحكم له إذا لم تكذب بينته ، ولأن اليد أضعف من البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين ، والبينة يقضى بها بغير يمين ، ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة تفيد ما لا تفيده اليد

( والثالث ) أن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته ، وإذا لم تسمع في هذه الحالة ، وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينته ، وهو في هذه الحالة أضعف فعدم سماعها حينئذ بطريق الأولى

( وجوابه ) أنه إنما تسمع بينة الداخل عند عدم بينة الخارج لأنه حينئذ قوي باليد ، والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف ، ولم يتحقق إلا عند إقامة الخارج بينته .

( والرابع ) أنا إنما أعلمنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة ، ولم تفدها يده ، وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت .

( وجوابه ) أن الدعوى ، واليد لا يفيدان مطلقا شيئا ، وإلا لكان مع المدعي حجج اليد والدعوى والبينة يخيره الحاكم بينها أيها شاء أقام كمن شهد له شاهدان وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد إنما هو البينة ، واليد لا تفيد ملكا ، وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة ، ولأنها لو أفادت ، وأقام المدعي بينة أنه اشتراها منه لم يحتج إلى يمين .

( الوجه الرابع ) زيادة التاريخ كما في الجواهر .

( الوجه الخامس ) الزيادة [ ص: 109 ] بالتفصيل قال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة ، والنظر في التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية ، ومنها شهادة أحدهما بحوز الصدقة قبل الموت ، وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض الأخرى لرد هذا القول .

( الوجه السادس ) الاختصاص بمزيد الاطلاع قال ابن أبي زيد إن اختصت إحداهما بمزيد الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن ، والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز ، وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون ، وقال محمد يقضى به لمن هو في يده ، ومن هذا ما إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو الزنا ، وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد فنقل عن ابن القاسم أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها مثبتة زيادة ، ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين ا هـ قلت ومن هذا الوجه أيضا قول النحويين : من حفظ حجة على من لم يحفظ .

( الوجه السابع ) استصحاب الحال والغالب ، ومنه شهادة إحداهما أنه أوصى ، وشهدت الأخرى أنه أوصى ، وهو مريض قال ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب .

( الوجه الثالث ) ظاهر الحال اعتبره سحنون فقال إذا شهدت بأنه زنى عاقلا ، وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن كان القيام عليه ، وهو عاقل قدمت بينة العقل ، وإن كان القيام عليه ، وهو مجنون قدمت بينة الجنون ا هـ . ولم يعتبره ابن اللباد فقال يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام ا هـ هذا تنقيح ما قاله الأصل في هذا الفرق قال أبو القاسم بن الشاط ، وما قاله فيه نقل وترجيح ، ولا كلام في ذلك ا هـ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث