الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه

( الفرق الأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه )

اعلم أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ، ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد ، والرضا بما جرت به الأقدار ، وقضى به الملك الجبار فهي مشروعة بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية ، والأئمة والمؤذنين إذا استووا ، والتقدم للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء ، وتساويهم في الطبقات وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام ، وفي عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات ، ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم [ ص: 112 ] بالقرعة ، ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة ، وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ويعتق من كل واحد ثلثه ، ويستسعى في باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق ، لنا وجوه :

( الأول ) ما في الموطإ { أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعتق ثلث العبيد } قال مالك ، وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم

( الثاني ) في الصحاح أن { رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزاهم فأقرع بينهم فأعتق اثنين ورق أربعة }

( الثالث ) إجماع التابعين رضي الله عنهم على ذلك قاله عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم ، ولم يخالفهم من عصرهم أحد

( الرابع ) وافقنا أبو حنيفة رضي الله عنه في قسمة الأرض لعدم المرجح ، وذلك هنا موجود فثبت قياسا عليه

( الخامس ) أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام ، وعلى الورثة بتأخير الحق وتعجيل حق الموصى له ، والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له الثلثين

( السادس ) أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطاعات ، ويجوز الاكتساب والمنافع من نفسه ، وتجزئة العتق تمنع من ذلك ، وقد لا يحصل الكمال أبدا احتجوا بوجوه : ( الأول ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم } ، والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه ، ولأن الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها ، ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا معينين ، ويؤكده أن العادة تحصي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان معينان ثلث ماله .

( الثاني ) أن القرعة على خلاف القرآن لأنها من الميسر ، وعلى خلاف القواعد لأن فيه نقل الحرية بالقرعة . ( الثالث ) أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ هاهنا قياسا على ذلك ، وعلى حال الصحة .

( الرابع ) أنه لو باع ثلث كل عبد جاز ، والبيع يلحقه الفسخ ، والعتق لا يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق . ( الخامس ) أنه لو كان مالكا لثلثهم فأعتقه لم يجتمع ذلك في اثنين منهم ، والمريض لم يملك غير الثلث فلا يجتمع لأنه لا فرق بين عدم المالك ، والمنع من التصرف في نفوذ العتق .

( السادس ) أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن [ ص: 113 ] الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتفاضها لم تجز القرعة فيها ، والأموال يجوز التراضي فيها فدخلت القرعة فيها . والجواب ( عن الأول ) أن العتق إنما وقع فيما يملك ، وما قال العتق في كل ما يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك .

وقولهم إنها قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره فتعم ، ولقوله عليه السلام { حكمي على الواحد حكمي على الجماعة } ، وقوله أنه يحتمل أن يكون شائعا باطلا بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة ، واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق ( وعن الثاني ) أن الميسر هو القمار ، وتمييز الحقوق ليس قمارا ، وقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه وغيرهم ، واستعملت القرعة في شرائع الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى { فساهم فكان من المدحضين } الآية ، و { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } وليس فيها نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن صح عتق الجميع ، وإن طرأت ديون بطل ، وإن مات ، وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى من العتق إلا ما أخرجته القرعة ( وعن الثالث ) أن مقصود الهبة والوصية التمليك ، وهو حاصل في ملك الشائع كغيره ، ومقصود العتق التخليص للطاعات .

والاكتساب ، ولا يحصل مع التبعيض ، ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما تقدم في الوصية ، وهاهنا يتأخر بالاستسعاء ( وعن الرابع ) أن البيع لا ضرر فيه على الوارث كما تقدم في الوصية ، ولا [ ص: 114 ] يحصل تحويل العتق كما تقدم ( وعن الخامس ) أنه إذا ملك الثلث فقط لم يحصل تنازع العتق في ، ولا حرمان من تناوله لفظ العتق ( وعن السادس ) أن الوارث لو رضي بتنفيذ عتق الجميع لصح فهو يدخله الرضا فهذه المباحث ، وهذه الاختلافات والاتفاقات يتخلص منها الفرق بين قاعدة ما تدخله القرعة ، وما لا تدخله القرعة ، وأن ضابطه التساوي مع قبول الرضا بالنقل ، وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة ، والله تعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه )

وضابطه كما في الأصل ، وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن ما تحقق فيه شرطان ( الأول ) تساوي الحقوق والمصالح ( والثاني ) قبول [ ص: 177 ] الرضا بالنقل فهو موضع القرعة عند الشارع دفعا للضغائن والأحقاد ، والرضا بما جرت به الأقدار ، وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة فمتى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ومتى لم يقبل الشيء الرضا بالنقل كحرية الرقيق حالة الصحة لا يجوز الإقراع فيه كما سيتضح من المباحث والاختلافات والاتفاقات الآتية قال ابن فرحون وهي مشروعة في مواضع :

( أحدهما ) بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية

( ثانيهما ) بين الأئمة للصلاة إذا استووا

( ثالثها ) بين المؤذنين في المغرب مع الاستواء أيضا على ما ذكره ابن شاس

( رابعها ) في التقدم في الصف الأول عند الزحام

( خامسها ) في تغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم في الطبقات

( سادسها ) في الحضانة ففي التوضيح ، وتدخل القرعة بين الأب والأم عند إثغار الذكر لحديث ورد في ذلك ، وهو اختيار ابن القصار وابن رشد وغيرهما انظره في قول ابن الحاجب وحضانة الذكر حتى يحتلم

( سابعها ) بين الزوجات عند إرادة السفر

( ثامنها ) في باب القسمة بين الشركاء في الأصول والحيوان والعروض والنقود إذا استوى فيه الوزن والقيمة ، وفي ذلك تفصيل واختلاف محله كتب الفقه

( تاسعها ) بين الخصوم في التقدم إلى الحاكم في الحكم

( عاشرها ) بين الخصمين فيمين تكون محاكمتها عنده

( حادي عشرتها ) إذا ازدحم اثنان على اللقيط فالسابق أولى ، وإلا فالقرعة

( ثاني عشرتها ) إذا اختلف المتبايعان وقلنا أنهما يتحالفان ويتفاسخان ، واختلفا فيمن يبدأ باليمين ففيه أقوال أحدهما أنه يقرع بينهما ، والمشهور تقدمة البائع ، وكذلك الزوجان يختلفان في قدر الصداق فيتحالفان

( ثالث عشرتها ) في المتيطية أن كتابة الوثائق والمكاتيب فرض على من يعلمها إذ لم يكن في البلد سواه ، وإن كانوا جماعة كانت من فروض الكفاية فإن قام بها أحدهم سقط الطلب عن الباقين ، وإن امتنعوا جميعهم اقترعوا فمن خرج اسمه كتب

( رابع عشرتها ) في شرع الجلاب فيمن يبدأ به من الوصايا إذا اجتمع عتق الظهار ، وعتق كفارة القتل ، وضاق الثلث فأحد الأقوال في المسألة أنه يقرع بينهما لأنه لا يصح عتق بعض الرقبة فيقرع بينهما فيصح العتق لأحدهما

( خامس عشرتها ) إذا انكسرت يمين على الأولياء فالمشهور أنها على أكثرهم نصيبا من الأيمان ، وقيل أكثرهم نصيبا من الكسر ، وقيل يقرع بينهم عليها

( سادس عشرتها ) إذا تقاربت الأنادر وأرادوا الذرو وكان يختلط نبتهم إذا ذروا جميعا فيقال اقترعوا على الذرو فإن أبوا لم يجبر واحد منهم على قطع أندره ، ويقال لمن أذرى على صاحبه أتلفت نبتك لا شيء لك من الطرر

( سابع عشرتها ) إذا زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما على القول بأن ذلك حق له يختار

( ثامن عشرتها ) يقرع الحاكم بين الخصمين إذا تنازعا فيمن هو المدعي منهما ، وأشكل على الحاكم معرفة المدعي

( تاسع عشرتها ) تقسيم الغنيمة خمسة أخماس فإذا اعتدلت ضرب عليها بالقرعة فإذا تعين الخمس أفرد ثم جمعت الأربعة فبيعت ، وقسم ثمنها أو قسمت الغنيمة

بأعيانها بين أهل الجيش على ما في ذلك من الخلاف فانظر شرح الرسالة للتادلي في باب الجهاد ( الموفي عشرين ) إذا اجتمعت الجنائز من جنس واحد ، واستوت الأولياء في الفضل ، وتشاحوا في التقدم أقرع بينهم

( الحادي والعشرون ) إذا اجتمع الخصوم عند القاضي ، وفيهم مسافرون ومقيمون ، وخاف المسافرون فوات الرفقة قدموا إلا أن يكثروا [ ص: 178 ] كثرة يلحق المقيمين منها ضرر فيقرع بينهم ذكره المازري

( الثاني والعشرون ) في عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات ، ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم بالقرعة ا هـ زاد الأصل ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة ، وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ، ويعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق ، لنا ستة وجوه

( الأول ) ما في الموطإ { أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتق ثلث العبيد } قال مالك

، وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم

( الثاني ) ما في الصحاح { أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم فأقرع بينهم اثنين ، ورق أربعة }

( الثالث ) إجماع التابعين رضي الله عنهم على ذلك قال عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين ، وغيرهم ، ولم يخالفهم من مصرهم أحد

( الرابع ) القياس على قسمة الأرض التي وافقنا فيها أبو حنيفة رضي الله عنه إذ لا مرجح

( الخامس ) أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام ، وعلى الورثة بتأخير الحق ، وتعجيل حق الموصي له ، والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له الثلثين

( السادس ) أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطلعات ، ويحوز الاكتساب والمنافع من نفسه ، وتجزئة العتق تمنع من ذلك ، وقد لا يحصل الكمال أبدا ، وأما الأوجه الستة التي احتجوا بها

( فالأول ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم } ، والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه ، ولأن الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها ، ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا معينين ، ويؤكده أن العادة تقتضي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان معينان ثلث ماله ، وجوابه أن العتق إنما وقع فيما يملك وما قال العتق في كل ما يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك ، وقولهم إنه قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره فتعم ، ولقوله عليه السلام { حكمي على الواحد حكمي على الجماعة } ، وقوله إنه يحتمل أن يكون شائعا باطل بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة ، واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق

( والوجه الثاني ) أن القرعة على خلاف القرآن لأنها من الميسر ، وعلى خلاف القواعد لأن فيه الحرية بالقرعة ، وجوابه أن الميسر هو القمار ، وتمييز الحقوق ليس قمارا ، وقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه وغيرهم ، واستعملت القرعة في شرائع الأنبياء عليهم السلام { فساهم فكان من المدحضين } الآية و { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } وليس فيها نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن صح عتق الجميع ، وإن طرأت ديون بطل ، وإن مات ، وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى من العتق إلا ما أخرجته القرعة

( والوجه الثالث ) أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ هاهنا قياسا على ذلك ، وعلى حال الصحة

( وجوابه ) أن مقصود الهبة والوصية والتمليك ، وهو حاصل في ملك الشائع كغيره ، ومقصود العتق التخليص للطاعات والاكتساب ، ولا يحصل مع التبعيض ، ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما تقدم في الوصية ، وهاهنا يتأخر بالاستسعاء

( والوجه الرابع ) أنه لو باع ثلث كل عبد جاز ، والبيع يلحقه الفسخ والعتق لا يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق كما تقدم

( والوجه الخامس ) [ ص: 179 ] أنه لو كان مالكا لثلثهم فأعتقه لم يجتمع ذلك في اثنين منهم ، والمريض لم يملك غير الثلث فلا يجمع لأنه لا فرق بين عدم الملك ، والمنع من التصرف في نفوذ العتق ، وجوابه أنه إذا ملك الثلث فقط لم يحصل تنازع في العتق ، ولا حرمان من تناوله لفظ العتق

( والوجه السادس ) أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتقاضها لم يجز القرعة فيها ، والأموال يجوز التراضي فيها قد خلت القرعة فيها ، وجوابه أن الوارث لو رضي تنفيذ عتق الجميع لصح فهو يدخله الرضا ا هـ كلام الأصل ، وسلمه أبو القاسم بن الشاط .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث