الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب

( الفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب )

اعلم أنه قد التبس هاتان القاعدتان على كثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق فقال قوم : لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب ، والاعتماد على الله - تعالى - قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره [ ص: 222 ] وقال آخرون : لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ، ولا هو هو وهذا هو الصحيح ؛ لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله - تعالى - فيما يجلبه من خير ، أو يدفعه من ضر ، قال المحققون : والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول ، أما المنقول فقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وقوله تعالى { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } أي تحرزوا منه فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار ، وأمر - تعالى - بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي .

وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى { والله يعصمك من الناس } ودخل مكة مظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد ، وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه - تعالى - يدخر قوت سنة لعياله ، وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ، ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها ، أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده ، وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها ، والله - تعالى - ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك رتب ملكه على عوائد أرادها ، وأسباب قدرها ، وربط بها آثار قدرته ، ولو شاء لم يربطها [ ص: 223 ] فجعل الري بالشرب ، والشبع بالأكل ، والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله - تعالى - حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله - سبحانه وتعالى - بل يلتمس فضله في عوائده ، وقد انقسمت الخلائق في هذا المقام ثلاثة أقسام قسم عاملوا الله - تعالى - باعتماد قلوبهم على قدرته - تعالى - مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات ، فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله - تعالى - وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق ، وقسم لاحظوا الأسباب ، وأعرضوا عن التوكل ، وهم عامة الخلق وشر الأقسام ، وربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر ، والقسم الثالث اعتمدت قلوبهم على قدرة الله - تعالى - طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهؤلاء النبيون والصديقون ، وخاصة عباد الله - تعالى .

والعارفون بمعاملته جعلنا الله - تعالى - منهم بمنه وكرمه فهؤلاء هم خير الأقسام الثلاثة ، والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب إذا قيل : الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا ، وإن اعتبرهما فقال : لا بد من الإيمان ، وترك الكفر فيقال له : ما بال غيرهما [ ص: 224 ] من الأسباب إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله - تعالى - كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك ، ومنها ما هو أكثري غير مطرد لكن الله - تعالى - أجرى فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك والأدب في الجميع التماس فضل الله - تعالى - في عوائده ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار { فأمر بكي سعد } ، وقال عليه السلام { المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ، وصلاح كل جسم ما اعتاد } وإذا كان حاله في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد ، فهذا هو الحق الأبلج ، والطريق الأنهج

[ ص: 222 - 224 ]

التالي السابق


[ ص: 222 - 224 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب ) ، وهو مبني على أحد القولين لكثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق وهما هل بين هاتين القاعدتين تلازم بحيث لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى ، وهو ما قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره وعليه فلا فرق بينهما أو أنه ما بين الشرط والمشروط أو لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ، ولا هو هو أي بل التوكل أعم مطلقا من ترك الأسباب فافهم .

وهذا قول آخرين قال الأصل : وهو الصحيح ؛ لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله - تعالى - فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر أي سواء كان مع ملابسة الأسباب أو مع عدم ملابستها نعم قال المحققون ، والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول أما المنقول فإن الله - تعالى - قد أمر بملابسة أسباب بالاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز فمن ذلك قوله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } فأمر بالاستعداد وقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار بقوله - تعالى - : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } أي تحرزوا منه مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سيد المتوكلين يطوف على القبائل . ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي } وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى { والله يعصمك من الناس } ودخل مكة مظاهرا بين درعين من الحديد في كتيبته الخضراء وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه - تعالى - يدخر قوت سنة لعياله وروى الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { اعقلها وتوكل } أي شد ركبة ناقتك مع ذراعها بحبل واعتمد على الله - تعالى - فإن عقلها لا ينافي التوكل قال العزيزي على الجامع الصغير وسببه كما في الترمذي { أن رجلا قال يا رسول الله أعقل ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل } فذكره . ا هـ .

قال الأصل : وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة عودهم بأيام لا يحسن إلا فيها وبأمكنة لا يدفع إلا فيها وبأبواب لا يخرج إلا منها فالأدب معه أن [ ص: 242 ] لا يطلب منه فعل إلا حيث جرت عادته بإجرائه فيه ، وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها ، والله - تعالى - ملك الملوك ، وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك ، وقد رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته ، ولو شاء لم يربطها فجعل الري بالشرب ، والشبع بالأكل ، والاحتراق بالنار ، والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله - تعالى - حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله - تعالى - بل يلتمس فضله في عوائده والخلائق قد انقسموا في مقام طلبهم منه - سبحانه وتعالى - هذه الآثار إلى ثلاثة أقسام

( القسم الأول ) عاملوا الله - تعالى - باعتماد قلوبهم على قدرته - تعالى - مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل ، وفاتهم الأدب مع الله - تعالى - وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في كتب الرقائق

( والقسم الثاني ) : لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق ، وشر الأقسام فإنهم ربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر

( والقسم الثالث ) : عاملوا الله - تعالى - باعتماد قلوبهم على قدرته - تعالى - مع عدم إهمال الأسباب والعوائد بل طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب ، وهم النبيون والصديقون وخاصة عباد الله - تعالى - والعارفون بمعاملته .

وهم خير الأقسام الثلاثة جعلنا الله - تعالى - منهم بمنه وكرمه قال : والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب ، أو من شرطه عدم الأسباب أنه إذا قيل : الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا والآخرة وإن اعتبرهما فقال : لا بد من الإيمان وترك الكفر قيل له : ما بال غيرهما من الأسباب ، فإن هذين إن كانا لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم الأسباب نوعان نوع مطرد في مجرى عوائد الله - تعالى - كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس ونحو ذلك ، ونوع أكثري غير مطرد أجرى الله فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك ، ولكن الأدب في الجميع التماس فضل الله - تعالى - في عوائده ؛ ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار { فأمر بكي سعد } وقال عليه الصلاة والسلام { المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وصلاح كل جسم ما اعتاد } وإذا كان حاله عليه السلام في [ ص: 243 ] الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد فهذا هو الحق الأبلج والطريق الأنهج ا هـ كلام الأصل بتهذيب وصححه ابن الشاط .

قلت : وتعريفه التوكل على القول الذي اختاره بقوله : هو اعتماد القلب إلخ هو بمعنى قول السيد الجرجاني في تعريفاته : هو الثقة بما عند الله ، واليأس عما في أيدي الناس ا هـ وقول شيخ الإسلام الشيخ زكريا هو الاعتماد على الله - تعالى - وقطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها ، وقوله : ويقال هو ترك السعي فيما لا تسعه قوة البشر ، وأما قول الأصل على ما قاله الغزالي في الإحياء وغيره بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب فعلى الثاني يعرف قول شيخ الإسلام زكريا ويقال : هو كلة الأمر كله إلى مالكه ، والتعويل على وكالته ، وعلى الأول يعرف بقول شيخ الإسلام أيضا أو يقال هو ترك الكسب ، وإخلاء اليد من المال قال شيخ الإسلام زكريا : ورد بأن هذا تواكل لا توكل أفاده العزيزي على الجامع الصغير عن العلقمي والله - سبحانه وتعالى - أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث