الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( المسألة الثالثة )

قال الأستاذ أبو إسحاق الإدراك يضاده النوم اتفاقا والرؤيا إدراك المثل كما تقدم فكيف تجتمع مع النوم وأجاب بأن النفس ذات جواهر فإن عمها النوم فلا إدراك ولا منام ، وإن قام عرض النوم ببعضها أمكن قيام إدراك المنام بالبعض الآخر ؛ ولذلك فإن أكثر المنامات آخر الليل عند خفة النوم

( المسألة الرابعة ) تقدم أن المدرك إنما هو المثال ، وبه خرج الجواب عن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الآن الواحد في مكانين فإن المرئي في المكانين مثالان فلا إشكال إذا تعددت المظروفات بتعدد الظروف إذ المشكل أن يكون في مكانين في زمان واحد ، وأجاب الصوفية بأنه عليه السلام كالشمس ترى في أماكن عدة ، وهي واحدة ، وهو باطل فإنه عليه السلام يراه زيد في بيته ويراه عمرو بجملته في بيته أو داخل مسجده والشمس إنما ترى من أماكن عدة ، وهي في مكان واحد فلو رئيت داخل بيت بجرمها استحال رؤية جرمها في داخل بيت آخر ، وهو الذي يوازن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتين أو مسجدين ، والإشكال لم يرد رؤيته عليه السلام من مواضع عدة ، وهو في مكان واحد إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته عليه السلام فأين أحدهما من الآخر مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين محال فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله عليه السلام لا ذاته ، وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غيره إنما يرى مثاله لا هو بذاته ، وبه يظهر معنى قوله عليه السلام : { من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي } وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي ، وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان ، ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة والملائكة أيضا كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل يمكن أن يكون حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان وأنه تمثل بذلك المثال

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة الثالثة )

قال الأستاذ أبو إسحاق : الإدراك يضاده النوم اتفاقا ، والرؤيا إدراك المثل كما تقدم فكيف تجتمع مع النوم وأجاب بأن النفس ذات جواهر فإن عمها النوم فلا إدراك ، وإن عمها الإدراك فلا منام ، وإن قام عرض النوم ببعضها أمكن قيام إدراك المنام بالبعض الآخر ؛ ولذلك إن أكثر المنامات آخر الليل عند خفة النوم ا هـ

( المسألة الرابعة ) : قال الإمام الغزالي في كتابه المسمى بالمضنون به على غير أهله لعل العالم الذي طبعه قريب من طبع العوام يفهم أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقد رأى حقيقة شخصه المودع في روضة المدينة بأن شق القبر وخرج مرتحلا إلى موضع الرؤية ، ولا شك في جهل من يتوهم ذلك ، فإنه قد يرى ألف مرة في ليلة واحدة في وقت واحد في ألف موضع بأشخاص مختلفة فكيف يتصور شخص واحد في مكانين في لحظة واحدة وكيف يتصور شخص واحد في حالة واحدة بصور مختلفة شيخ وشاب طويل وقصير إلخ ويرى على جميع هذه الصور ومن انتهى حمقه إلى هذا الحال فقد انخلع عن ربقة العقل فلا ينبغي أن يخاطب ثم حقق أن المرئي مثال صار واسطة بينه وبينه وذلك أن جوهر النبوة أعني الروح المقدسة الباقية من النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته منزهة عن اللون والشكل والصور ، ولكن العبد ذاته بواسطة مثال محسوس من نور وغيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة له ، ولا لون ، ويكون ذلك المثال صادقا حقا وواسطة في التعريف فقول الرائي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لا بمعنى أني رأيت ذات روحه أو ذات شخصه بل بمعنى أنه رأى مثاله لا مثله ؛ إذ المثل المساوي في جميع الصفات ، والمثال لا يحتاج فيه إلى المساواة ؛ إذ العقل معنى لا يماثله غيره مماثلة حقيقية ولنا أن نضرب الشمس له مثالا لما بينهما من المناسبة في شيء واحد .

وهو أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل فهذا القدر من المناسبة كاف في المثال ويمثل في النوم السلطان بالشمس ، والوزير بالقمر والسلطان لا يماثل الشمس بصورته ولا بمعناه ، ولا الوزير يماثل القمر إلا أن السلطان له استعلاء على الكل ، ويعم أمره الجميع ، والشمس تناسبه في هذا القدر ، والقمر واسطة بين الشمس والأرض في إفاضة [ ص: 269 ] النور كما أن الوزير والسلطان والرعية في نور العدل فهذا مثال ، وليس بمثل ، وقال الله - تعالى - { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة } الآية ، ولا مماثلة بين نوره وبين الزجاجة والمشكاة وعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اللبن في المنام بالإسلام والحبل بالقرآن ، وأي مماثلة بين اللبن والإسلام وبين الحبل والقرآن إلا في مناسبة ، وهو أن الحبل يتمسك به في النجاة ، واللبن غذاء الحياة الظاهرة ، والإسلام غذاء الحياة الباطنة فكل من هذه مثال ، وليست بمثل ا هـ المراد فمن هنا قال الأصل : إن جواب الصوفية عن استشكال كون رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يرى في مكانين في الآن الواحد بأنه عليه السلام كالشمس ترى في أماكن عدة ، وهي واحدة باطل فإن الإشكال لم يرد في رؤيته عليه السلام من مواضع عدة ، وهو في مكان واحد حتى يصبح الجواب عنه بذلك بل إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته عليه السلام مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين محال فأين أحدهما من الآخر فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله عليه السلام لا ذاته .

وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غير ذلك إنما يرى مثاله لا هو بذاته وبه يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم { من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي } وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي ، وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان ، ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة والملائكة كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل يمكن حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان ، وأنه تمثل بذلك المثال ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث