الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ( الباب الثالث

في الأحكام والكلام على الإيمان ومتعلقات ذلك ) )

اعلم - وفقني الله وإياك وسائر المسلمين لمرضاته - أن طرق الناس قد اختلفت في علة التكليف وحكمته ، مع كون الله - سبحانه وتعالى - لا ينتفع بطاعة ، ولا تضره معصية ، فسلكت الجبرية ومن وافقهم مسلكهم المعروف ، وأن ذلك صادر عن محض المشيئة وصرف الإرادة ، وأنه لا علة ولا حكمة له ولا ما يحث عليه سوى محض الإرادة ، وسلكت القدرية مسلكها المعروف ، وهو أن ذلك استئجار منه لعبيده لينالوا أجرهم بالعمل ، فيكون الذنب اقتضاءهم الثواب بلا عمل لما فيه من تكدير المنة ، والمسلكان فاسدان كما ترى ، وتقدم ذلك ، وحسبك ما يدل عليه العقل الصريح والنقل الصحيح من بطلان هذين المذهبين وفسادهما ، وليس عند الناس غير هذين المسلكين إلا مسلك من هو خارج عن الديانات ، واتباع الرسل ممن يرى أن الشرائع وضعت نواميس تقوم عليها مصلحة الناس ومعايشهم ، وأن فائدتها تكميل قوة النفس العملية وارتياضها ; لتخرج عن شبه الأنعام فتصير مستعدة لأن تكون محلا لقبول الفلسفة العليا والحكمة .

وهذا مسلك خارج عن مناهج الأنبياء وأممهم . وأما أتباع الرسل الذين هم أهل البصائر ، فحكمة الله - عز وجل - في تكليفهم ما كلفهم به أعظم وأجل عندهم مما يخطر بالبال ، أو أعرب به المقال ، فيشهدون [ ص: 353 ] له - سبحانه - في ذلك من الحكم الباهرة ، والأسرار العظيمة ، أكثر مما يشهدونه في مخلوقاته وما تضمنته من الأسرار ، والحكم ، ويعلمون مع ذلك أنه لا نسبة لما أطلعهم - سبحانه - عليه من ذلك إلى ما طوى علمه عنهم واستأثر به دونهم ، وأن حكمته في أمره ونهيه ; لأنه - جل وعلا - أهل أن يعبد ، وإلى هذا المقام أشار بقوله :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث