الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 94 ] ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

فيها جاءت الجند ، فأحدقوا بدار الخلافة ، وقالوا : ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصل بالناس . فخرج فصلى بهم وخطبهم ، وقبض الغلمان على الوزير أبي علي بن مقلة ، وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره ، فرد الخيرة إليهم ، فاختاروا علي بن عيسى ، فلم يقبل ، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره ، وأحرقت دار ابن مقلة ، وسلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى ، فضرب ضربا عنيفا ، وأخذ خطه بألف ألف دينار ، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى ، فعزل بعد خمسين يوما ، وقلد الوزارة أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي ، فصادر علي بن عيسى بمائة ألف دينار ، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار ، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر ونصف ، وقلد سليمان بن الحسين ، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ، ولكن في السنة الآتية ، وأحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في اليوم الذي أحرقت تلك فيه ، بينهما سنة واحدة . وهذا كله من تخبيط الأتراك والغلمان . ولما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها :


أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر      [ ص: 95 ] وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر

وضعف أمر الخلافة جدا ، وبعث الراضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يستدعيه إليه ; ليوليه إمرة الأمراء ببغداد ، وأمر الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين ، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر ، وأنفذ إليه بالخلع ، فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله ، ومعه الأمير بجكم التركي غلام مرداويج ، وهو الذي ساعد على قتله وأراح المسلمين منه ، واستحوذ ابن رائق على أمر العراق بكماله ، ونقل أموال بيت المال إلى داره ، ولم يبق للوزير تصرف في شيء بالكلية ، ووهى أمر الخلافة جدا ، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها ، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها ، ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء ، ولا كلمة تطاع ، وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها ، وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأمراء . وأما بقية الأطراف ، فالبصرة مع ابن رائق هذا ، وأمر خوزستان في يدي أبي عبد الله البريدي ، وقد غلب ياقوت في هذه السنة على ما كان بيده من مملكة تستر وغيرها ، واستحوذ على حواصله وأمواله ، وأمر فارس إلى عماد الدولة أبي الحسن علي بن بويه ، والري وأصبهان والجبل بيد أخيه ركن الدولة ابن بويه ، ومنازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج ، وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع ، وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حمدان ، ومصر والشام في يد محمد بن طغج ، وبلاد إفريقية والمغرب في يد [ ص: 96 ] القائم بأمر الله بن المهدي المدعي أنه فاطمي ، وقد تلقب بأمير المؤمنين ، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد ، الملقب بالناصر الأموي ، وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني ، وطبرستان وجرجان في يد الديلم ، والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي ، لعنه الله .

وفيها وقع ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير ، بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام ، ومات من أهل البلد خلق كثير ، وأكثر ذلك كان في الضعفاء ، وكان الموتى يلقون في الطرقات ليس لهم من يقوم بأمرهم ، ويحمل على الجنازة الواحدة الاثنان من الموتى ، وربما يوضع بينهم صبي ، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة ، ومات من أصبهان نحو مائتي ألف إنسان .

ووقع فيها حريق بعمان احترق فيه من السودان ألف ، ومن البيضان خلق كثير ، وكان من جملة ما احترق فيه أربعمائة حمل كافور .

وعزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام وأضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار المصرية .

وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث