الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ينوى قربة ) أما ما لا يمكن أن ينوى قربة فقسمان : أحدهما النظر الأول المفضي إلى العلم بثبوت صانع العالم فإن هذا النظر انعقد الإجماع على أنه لا يمكن أن ينوى التقرب به فإن قصد التقرب إلى الله تعالى بالفعل فرع اعتقاد وجوده وهو قبل النظر الموصل لذلك لا يعلم ذلك فتعذر عليه القصد للتقرب وهو كمن ليس له شعور بحصول ضيف كيف يتصور منه القصد إلى إكرامه فالنظر الأول يستحيل فيه قصد التقرب وثانيهما فعل الغير تمتنع النية فيه فإن النية مخصصة للفعل ببعض جهاته من الفرض والنفل وغير ذلك من رتب العبادات وذلك يتعذر على الإنسان في فعل غيره بل إنما يتأتى ذلك منه في فعل نفسه [ ص: 130 ] وما عدا هذين القسمين تمكن نيته ثم الذي تمكن نيته منه ما شرعت فيه النية ومنه ما لم تشرع فيه النية ثم انقسمت الشرعية بعد ذلك إلى مطلوب وغير مطلوب فغير المطلوب لا ينوى من حيث هو غير مطلوب بل يقصد بالمباح التقوي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من جهة أنه مباح والمطلوب في الشريعة قسمان نواه وأوامر فالنواهي لا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلا عن القصد إليه نعم إن نوى بتركها وجه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترك قربة .

وأما الأوامر فقسمان أيضا . منها : ما تكون صور أفعالها كافية في تحصيل مصالحها فلا يحتاج إلى النية كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك فهذا القسم مستغن عن النية شرعا فمن دفع دينه غافلا عن قصد التقرب به أجزأ عنه ولا يفتقر إلى إعادته مرة أخرى نعم إن قصد في هذه الصور كلها امتثال أمر الله تعالى حصل له الثواب وإلا فلا . القسم الثاني : ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فهذا القسم هو المحتاج إلى النية كالعبادات فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني بسبب قصدك فما لا قصد فيه لا تعظيم فيه فيلزم أن العبادات كلها يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم الله تعالى فهذا ضابط ما تمكن فيه النية وما لا تمكن فيه النية وضابط ما يحتاج إلى النية مما يمكن وما لا يحتاج شرعا وهذه المباحث مستوعبة في كتاب الأمنية في إدراك النية ومبسوطة أكثر من هذا وهناك مسائل من هذا الباب كثيرة وها أنا أذيل هذا الفرق بأربع مسائل :

( المسألة الأولى ) تقدم أن الإنسان لا ينوي إلا فعل نفسه وما هو مكتسب له وذلك .

[ ص: 131 ] يشكل بأننا ننوي الفرض والنفل مع أن فرضية الظهر مثلا ونفلية الضحى ليستا من فعلنا ولا من كسبنا بل حكمان شرعيان والأحكام الشرعية صفة الله تعالى وكلامه ليست مفوضة للعباد فكيف صحت النية في الأحكام والجواب عنه أن النية تتعلق بغير المكتسب تبعا للمكتسب أما استقلالا فلا وبهذا نجيب عن سؤال صعب وهو أن الإمام ينوي الإمامة في الجمعة وغيرها مع أن فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وإذا لم تكن الإمامة فعلا زائدا فهذه نية بلا منوي فلا تتصور والجواب عنه أن متعلق النية كونه مقتدى به وهذا وإن لم يكن من فعله لكن صحت نيته تبعا لما هو من فعله .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 129 ] قال : ( الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ينوى قربة أما ما لا يمكن أن ينوى قربة فقسمان : أحدهما النظر الأول إلى قوله فالنظر الأول يستحيل فيه القصد إلى القربة ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح قال :

( وثانيهما فعل الغير تمتنع النية فيه إلى قوله بل إنما يتأتى ذلك منه في فعل نفسه ) قلت : لا يخلو أن يريد أن نية فعل الغير تمتنع عقلا أو عادة أو شرعا أما عقلا أو عادة فلا وجه للامتناع وأما شرعا فالظاهر من جواز إحجاج الصبي أن الولي ينوي عنه وكذلك في جواز ذبيحة الكتابي نائبا عن المسلم .

[ ص: 130 ] قال : ( وما عدا هذين القسمين تمكن نيته ثم الذي تمكن نيته منه ما شرعت فيه النية ومنه ما لم تشرع فيه النية إلى قوله لا من جهة أنه مباح ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح وكذلك قوله والمطلوب في الشريعة إلى قوله وصار الترك قربة .

قال : ( وأما الأوامر فقسمان أيضا منها ما تكون صور أفعالها كافية في تحصيل مصالحها فلا يحتاج إلى النية كدفع الديون إلى آخر كلامه في هذا القسم ) قلت : قوله في هذا القسم فلا يحتاج إلى النية يعني أنه إذا عري عن نية التقرب مع أنه نوى أداء دينه كفاه ذلك في الخروج من عهدة الأمر ولم يتوجه عليه الطلب به بعد لا في الدنيا ولا في الآخرة لكنه لا يثاب حتى ينوي التقرب إلى الله تعالى بأداء دينه وهذا الذي قاله : عندي فيه نظر فإنه لا مانع من أن يثاب في هذه الصورة ويكفيه من النية كونه قصد أداء دينه والله تعالى أعلم وما قاله : في القسم الثاني صحيح .

قال : ( وها أنا أذيل هذا الفرق بأربع مسائل : المسألة الأولى تقدم أن الإنسان لا ينوي إلا فعل نفسه وما هو مكتسب له وذلك . [ ص: 131 ] يشكل بأنا ننوي الفرض والنفل مع أن فرضية الظهر مثلا ونفلية الضحى ليستا من فعلنا ولا من كسبنا بل حكمان شرعيان والأحكام الشرعية صفة الله تعالى وكلامه ليست مفوضة للعباد فكيف صحت النية في الأحكام والجواب عنه أن النية تتعلق بغير المكتسب تبعا للمكتسب أما استقلالا فلا ) قلت : ماذا يريد بقوله أنا ننوي للفرض والنفل أيريد أنا نقصد جعل الفرض فرضا والنفل نفلا أم يريد أنا نقصد إيقاع الصلاة التي هي فرض أو الصلاة التي هي نفل فإن أراد الأول فذلك ليس لنا ولا أمرنا بأن ننويه ولا يصح ذلك لا بحكم التبع ولا بغير ذلك من الوجوه وإن أراد أنا نقصد إيقاع الصلاة التي هي فرض أو نفل فليس في هذا تعلق نيتنا بالفرضية والنفلية وإنما تعلقت بالصلاة التي من صفتها الفرضية أو النفلية وذلك الذي هو من فعلنا وأمرنا بأن ننويه .

قال : ( وبهذا نجيب عن سؤال صعب وهو أن الإمام ينوي الإمامة في الجمعة وغيرها مع أن فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وإذا لم تكن الإمامة فعلا زائدا فهذه نية بلا منوي فلا تتصور والجواب عنه أن متعلق النية كونه مقتدى به وهذا وإن لم يكن من فعله لكن صحت نيته تبعا لما هو من فعله ) قلت : أليس تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك من فعله فذلك هو متعلق نيته وسهلت الصعوبة والحمد لله .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ينوى قربة ) وهو أن ما لا يمكن أن ينوى قربة منحصرا إجماعا في النظر الأول المفضي إلى العلم بثبوت صانع العالم إذ يستحيل فيه قصد التقرب إلى الله تعالى لأن قصد ذلك بالفعل فرع اعتقاد وجوده واعتقاد وجوده لا يتصور قبل النظر الموصل إليه إذ هو كمن ليس له شعور بحصول ضيف كيف يتصور منه القصد إلى إكرامه فافهم وما عدا ذلك النظر الأول يمكن أن ينوى قربة لا فرق بين كونه فعل نفسه أو فعل غيره أما فعل نفسه فظاهر وأما فعل غيره فهو وإن قيل : تمتنع النية فيه إلا أنه لا وجه للامتناع عقلا أو عادة وأما شرعا فالظاهر من جواز إحجاج الصبي أن الولي ينوي عنه وكذلك في جواز ذبيحة . [ ص: 143 ] الكتابي نائبا عن المسلم ثم الذي تمكن نيته قسمان : ما شرعت فيه النية وما لم تشرع فيه النية والأول قسمان : مطلوب في الشريعة وغير مطلوب فيها فأما غير المطلوب كالمباح فلا ينوى من جهة أنه مباح بل من جهة أن به التقوي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل .

وأما المطلوب فقسمان القسم الأول النواهي ولا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلا عن القصد إليه نعم إن نوى بتركها وجه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترك قربة والقسم الثاني الأوامر ، وهي قسمان : القسم الأول ما تكون صورة فعله بقصد مجرد الأداء كافية في تحصيل مصلحته وفي خروج المكلف بذلك من عهدة الأمر بحيث لا يتوجه إليه الطلب به بعد لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن عري عن نية التقرب إلى الله تعالى بالأداء كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك بل لا مانع من أن يثاب في هذه الصورة مع عدم نية التقرب إذ يكفيه من النية كونه قصد مجرد الأداء على الصحيح كما يشهد له سعة باب الثواب خلافا للأصل . القسم الثاني : ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته بل يتوقف تحصيل مصلحته والخروج من عهدة الأمر به على نية امتثال أمر الله تعالى في أدائه كالعبادات فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني بسبب قصدك فما لا قصد فيه ولا تعظيم فيه فكل عبادة يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم الله تعالى فظهر من هذا كله ضابط ما تمكن فيه النية وما لا تمكن فيه النية وضابط ما يحتاج إلى النية وما لا يحتاج إليها مما تمكن فيه انظر كتاب الأمنية في إدراك النية للأصل .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( وصل ) في أربع مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى متعلق النية في مطلق الصلاة إنما هو إيقاعنا الصلاة التي هي فرض أو نفل وهي من فعلنا وأمرنا بأن ننويه لا أن متعلقها الفرضية أو النفلية بأن نقصد جعل الفرض فرضا والنفل نفلا إذ ليس لنا ذلك ولا أمرنا بأن ننويه بل لا يصح ذلك لا بحكم التبع للمكتسب لنا ولا بغير ذلك من الوجوه خلافا للأصل [ ص: 144 ] وكذلك متعلق نية الإمام في الجمعة وغيرها إنما هو تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك وهو من فعله لا الإمامة حتى يقال : لم تكن فعلا زائدا على فعل المنفرد بل فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وكيف تتصور نية بلا منوي ولا داعي للجواب عنه بأن متعلقها كونه مقتدى به وصحت نيته مع أنه لم يكن من فعله تبعا لما هو من فعله فافهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث